يستحق ما يجري في شؤون التعليم العالي بالدولة رصدا ومتابعة, وكذلك تشخيصا لواقعه, واستشرافا لمستقبله حيث يلاحظ المرء ان تطورات مثيرة حدثت في هذه الساحة في السنوات القليلة الماضية . مظاهر تلك التطورات يمكن ملاحظتها في مدى الانتشار (الكمي) السريع, وفي طبيعة البرامج الدراسية والمحتوى والأهم من هذا وذاك التفاوت في المنطلقات والاهداف التي لا شك انها تحمل في طياتها آثارا وأبعادا لم تعد خافية على المهتمين بهذا الشأن. ولعل ندوة البيان الاخيرة (الافاق المستقبلية للتعليم العالي بالدولة) قد كشفت عن كثير من الجوانب السلبية ومظاهر القلق في التعليم العالي الخاص, وكانت بذلك أبرز الجهود التي بذلت حتى الآن في تشخيص واقع التعليم العالي بالدولة وتحديد ملامحه في سبيل اصلاح مساره بما ينسجم مع أهداف التعليم العالي في كل مجتمع انساني, وبما يتفق مع خصوصية هذا المجتمع, ويحقق اهدافه وأولوياته. توفر لهذه الندوة العديد من العوامل التي سوف تسهم بكل تأكيد في تجلية الصورة الحقيقية لواقع التعليم العالي بالدولة حيث شارك فيها ممثل للجهة الرسمية التي تشرف على تنظيم التعليم العالي ومؤسساته بالدولة, وكذلك ممثلون لبعض مؤسسات التعليم المرخصة وغير المرخصة. هي باختصار جمعت كافة اطراف (هم) التعليم العالي, وتناولت موضوعا يهم المجتمع بأسره. كما انها جاءت في توقيت مناسب جدا, حيث تزامنت مع امتحانات الثانوية العامة, التي هي بمثابة موسم ينتظره (المستثمرون) اصحاب مؤسسات التعليم الخاصة بفارغ الصبر للتسويق لمؤسساتهم وجذب الطلبة ( الزبائن) اليها. من وحي تلك الندوة ومحاورها والتوصيات التي انتهت اليها أحببت أن ادلي ببعض الاراء المتواضعة في مسائل ذات صلة بموضوع الندوة. حيث عاصرت فترة, احسبها حافلة ومهمة, في مسيرة التعليم العالي بالدولة. وذلك من خلال عملي باللجنة التنفيذية بمكتب سمو الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي. وهي اللجنة التي كلفت بمتابعة ملف التعليم العالي الخاص بعد نشأة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وصدور القانون الاتحادي في عام 1992. وبما ان التعليم العالي العام, او الحكومي الاتحادي, له رب يحميه, فان القطاع الآخر, أي التعليم العالي الخاص, يتطلب جهودا كبيرة وقرارا سياسيا وتنفيذا فوريا لتنظيمه وتصحيح مساره. التعليم العالي الخاص: المفهوم والتاريخ اذا كانت سلطة تنظيم التعليم والاشراف عليه سلطة اتحادية, فان قانون انشاء وزارة التعليم العالي لعام 92 يذكر في اختصاصات الوزارة بأنها المسؤولة عن الترخيص بانشاء مؤسسات التعليم العالي الخاصة واعتمادها والاشراف عليها في اطار الخطة العامة للتعليم العالي. ومن ثم, كانت كافة المؤسسات التي لم يصدر بشأن انشائها وتنظيمها قانون (اتحادي) خاضعة لتلك المادة, وبالتالي فان مشروعية اية مؤسسة أهلية او خاصة تتطلب اولا الحصول على ذلك الترخيص, والا كان وجودها وانشطتها مخالفة وغير مشروعة. قبل نشأة الوزارة, وبدءا من منتصف الثمانينات بدأت المؤسسات العاملة في مجال التعليم العالي بالظهور. وكانت قليلة جدا في العدد, واستهدفت بشكل رئيسي غير المواطنين الراغبين في مواصلة تعليمهم الجامعي. منذ مطلع التسعينات بدأت الزيادة في اعداد الكليات والمعاهد الخاصة وفي عام 1993 بدأت بوادر ظهور (كليات الجاليات) عندما اعلن احد رجال الاعمال المواطنين عن اقامة كلية لجالية آسيوية يفوق تعدادها مواطني هذه الدولة والعرب مجتمعين. كان ذلك في شهر يونيو ,93 وكان قد قرر فتح الكلية وبدء الدراسة بها في سبتمبر 93! وهي فترة قياسية غير مسبوقة في تاريخ انشاء الجامعات والكليات. وعندما صدر قرار مجلس الوزراء في يونيو 93 بوقف الموافقات المبدئية للسير في تأسيس المعاهد والكليات الخاصة الصادرة في ذلك العام كان عدد المؤسسات العاملة فعلا 14 مؤسسة. منها 6 مؤسسات كانت تتولى تخطيط وتنفيذ برامجها الدراسية ذاتيا (وهي المؤسسات التي جرى الترخيص لها لاحقا) و8 مؤسسات كانت ــ وما زالت ــ تعمل من خلال اتفاقيات مع جامعات ومؤسسات اجنبية اما الذي جرى بعد ذلك, اي خلال الفترة من يونيو 93 الى يونيو 99 فعلى العكس تماما مما يوجد في القوانين والقرارات المنظمة لشأن التعليم العالي. حيث قفز العدد الى نحو 45 مؤسسة, المرخصة منها نحو 8 مؤسسات فقط, هذه الارقام ذات دلالات محزنة. اهمها كيفية تعامل القطاع الخاص والسلطات المحلية مع هذا الملف الهام. مما افرز واقعا يتسم بالفوضى والتسيب. وجرى فيه امتهان التعليم بشكل يدعو الى الحزن والاسى. وكثر في ظله, وترعرع في بيئته الدخلاء والعابثون الذين لا يرجون لله وقارا, ولا للعلم حرمة, ولا للوطن قيمة. مظاهر القلق في التعليم العالي الخاص يجب الا نفهم من هذا العنوان ان التعليم العالي الخاص بالدولة شر كله. ولا كل المشتغلين فيه من اولئك الدخلاء العابثين. فان فيهم اناسا وقليل ما هم مختصون ومهتمون. وهم قبل كل شيء مخلصون في مقاصدهم واهدافهم. انشأوا معاهدو كليات كان هدفهم الاول في ذلك هو خدمة هذا المجتمع وتثقيف ابنائه وتعليمهم. لذا كان موقفهم من اشراف الدولة على مؤسساتهم وتنظيمها لها موقف المرحب الذي يسعى الى التحسين والتطوير, بل والالتزام بالاطار القانوني الذي حددته الدولة. حديثنا هنا يعني الغالبية العظمى من اولئك المشتغلين بالتعليم العالي الخاص, والمؤسسات التي انشؤوها والنتائج التي افرزوها. وعندما اقارن بين وضع التعليم العالي الخاص قبل ست سنوات بواقعه الآن لا اكاد اجد سوى فرق واحد هو التزايد الكبير في اعداد الكليات والمعاهد وأخيرا الجامعات, اما مظاهر القلق والجوانب السلبية في مؤسسات التعليم العالي الخاص فهي تماما كما كانت سائدة في تلك الفترة. كنت انظر منذ ايام في ملفاتي واوراقي القديمة والتي تعود الى تلك الفترة فوقفت على دراسة قام بها الدكتور احمد سيف النصر حول نظام التعليم العالي بالدولة فوجدت نقاطا حول تلك المظاهر, ارى اثباتها هنا للدلالة على مظاهر القلق تلك: 1 ـ النمو غير المتوازن لنظام التعليم العالي الحالي (1993) بسبب التفاوت الشديد في طبيعة البرامج الدراسية التي تقدمها هذه المؤسسات من ناحية, وازدواجية وتكرار هذه البرامج من ناحية اخرى بسبب نزعة كثير من هذه المؤسسات الى محاكاة بعضها البعض خاصة وان كل هذه المؤسسات انشئت بدون تخطيط مسبق مبني على دراسة الاحتياجات الحالية والمستقبلية لسوق العمل. 2 ـ التركيز على برامج دراسية موجهة لفئات بعينها من سكان الدولة, الامر الذي يطرح ابعادا تتجاوز مقتضيات الواقع التعليمي في الدولة. 3 ـ مخاطر الاختفاء المفاجىء لهذه المؤسسات, خاصة تلك التي تطرح برامج دراسية غير نمطية لا تتطلب بطبيعتها سوى الحد الادنى من الاستثمار في البنية الاساسية. يذكرنا هذا بالاختفاء المفاجئ للعديد من الشركات والمؤسسات التجارية التي يديرها الوافدون الآسيويون, مما يسبب تدهورا كبيرا في اقتصادنا الوطني (باتيل, التاجر الهندي, احد ابرز هؤلاء النجوم) . 4 ـ ان صغر حجم هذه المؤسسات يجعلها لا تستفيد من اقتصاديات الحجم الكبير, الامر الذي يرفع بالضرورة تكلفة العملية التعليمية الى حد كبير, ويزيد بالتالي من الرسوم الدراسية التي تتقاضاها هذه المؤسسات بدون مبرر. 5 ـ لا يتوقع ان تسهم هذه المؤسسات رغم عددها الكبير في زيادة القوى العاملة المواطنة, او في زيادة كفاءة العاملين حاليا. في ضوء تلك الملاحظات التي اعتبرها مظاهر, بل وادلة على المأزق الذي يعاني منه نظامنا التعليمي في القطاع الخاص لابد من طرح حلول للخروج من هذا المأزق. ويجب ان نبدأ برؤية جديدة توضح فيها ملامح نظام التعليم العالي بالدولة, وتحدد فيها الاهداف, وفي ضوئها توضع البرامج والخطط المرحلية لتنفيذها وصولا لتحقيق تلك الاهداف. المنطلق الذي يجب ان يكون ماثلا امامنا, باعتباره اعتقادا ثابتا, ان التعليم رسالة قبل ان يكون سلعة للمستهلكين.