في كل الازمات والمجتمعات لم يسلم السياسي من النقد اللاذع, ومنذ ان جرت انهار الفلسفة على ارض اليونان, وجميع الفلاسفة يعتبرون السياسي رجلا غير صالح! بمعنى انه رجل اللاثبات على المواقف عدا موقف المصلحة الخاصة, ومن هنا كانت جملة تشرشل الشهيرة : (في السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة, لكن توجد دائما مصالح دائمة!) . ولذلك لا يثق ولا يحب الناس عادة اهل السياسة, مع انهم يقتاتون اخبارهم ووجوهم صباح مساء, واهل السياسة انفسهم لا يثقون ببعضهم البعض خاصة حينما يلعبون السياسة وفق اصولها, تماما كما يلعبها اليوم حزب الناتو مع مسلمي كوسوفو, وباراك مع الفلسطينيين وخبراء الاسلحة النووية مع العراق. ولان السياسة علم لا ينتهي من المصالح والاقنعة, ولان كل ذلك مؤسس بعلم وقواعد تأخذ اسماء ذات وقع وجاذبية مثل الدبلوماسية, والمصالح القومية العليا, والامن القومي, ومبادىء على شاكلة (اذا لم تستطع ان تغلبهم فانضم اليهم) والخ, فإن السياسة او فن الممكن اصبح مقبولا ولأهله كل الحق وكل الاعذار سلفا, طالما ان اللعب بالاوراق المتاحة هو القانون. لكن اللامقبول ان ينافس اهل الثقافة والعلم اهل السياسة في اساليبهم, فيتحولون بقدرة قادر الى اشخاص يستعيرون من السياسة كل اصول (البراجماتية) النفعية المتاحة وكل الديكتاتورية التي يدعون محاربتها علنا وامام الجماهير كنوع من البضاعة المستهلكة, ان كل ذلك من اجل مصالح خاصة واهداف شخصية يسعون اليها عن طريق التستر بالصراخ الثقافي والخطاب التوعوي! للأسف لقد بدا واضحا ان نخبا ثقافية عديدة تخلت عن مثيلاتها التي كانت تملأ بها الفضاء العربي زعيقا, وحل محل قيم الخمسينات والستينات قيم اخرى بديلة تسير وراء نداء المصالح والمنافع والحسابات البنكية, ومشاريع الثقافة الربحية! ولم يعترف احد بمن فيهم المثقف طبعا بأن دورة الوعي قد تجمدت تماما, وان حالة كثير من المثقفين قد انكشفت امام الجميع, فكأن المجتمع قد تضامن مع مثقفيه على حالة قاتلة من السكوت والتغاضي كل عن تناقضات الآخر. المشكلة اليوم ان هذا المجتمع انتبه فجأة ليكتشف ان لا ضوء في نهاية النفق, ولا نهاية لسبات الوعي, وانه فقد الكثير من قواه دون نتيجة, من هنا بدأ يبحث عن حاملي الشارات لاعلان نهاية عصر الجمود والسبات, ويبقى المثقف العربي هو المعني بهذه المهمة, لكن الفاجعة ان اغلب مثقفينا قد تخلوا عن هذه المهمة تحت وطأة ظروف الحاجة وشروط المعيشة! المجتمع اليوم يبحث عن مثقفيه لنشر الوعي الصحيح لا الزائف, ومحاربة مظاهر الانحطاط والتخلف, لكن المثقفين مشغولون بذواتهم ومعاركهم الصغيرة وانانياتهم المقيتة, والسؤال: من يضبط البوصلة ويقود القافلة على بصيرة ووعي؟