من حق الولايات المتحدة ان تتباهى بأن الأسماء التي تحتل المراتب الاولى في القائمة العالمية لأكبر 200 ملياردير ومليونير أصحابها أمريكيون. لكن هل المجتمع الأمريكي على المستوى نفسه من الثراء فيما يتعلق بالقيم الاجتماعية ؟ قد يختلف المنظرون في تعريف القيم الاجتماعية.. وقد يختلفون فيما اذا كانت الوفرة المادية هي السبيل الى الاستقرار الاجتماعي. ولكن ما لا يمكن المجادلة بشأنه هو ان غاية الغايات عند نهاية المطاف ان يستشعر أفراد المجتمع الأمان على الدوام. لقد تزامن نبأ قائمة المليارديرات والمليونيرات مع نبأ اسقاط الكونجرس الأمريكي بمجلسيه (النواب والشيوخ) مشاريع قوانين تهدف الى فرض حظر جزئي أو قيود على بيع وشراء الأسلحة النارية واستعمالها. كانت القضية المطروحة أمام الكونجرس هي تنامي ظاهرة القتل الجماعي العشوائي في المدارس الثانوية بدرجة خطيرة.. وكانت آخر حادثة في كوالالمبور في ابريل. لقد تشعبت الآراء والاجتهادات في تحليل أسباب الظاهرة وطرائق التصدي لها بين اخصائيي علم النفس والعلاج النفسي وعلماء الاجتماع ورجال القانون والتربويين والاعلاميين... الخ لكن كان هناك شبه اجماع حول ان الخطوة الاولى في كل الاحوال يجب ان تهدف الى حظر فوري أو تقييد ما لتداول الاسلحة النارية.. خاصة بين الاطفال والمراهقين والشباب. هذه هي الخلفية التي رافقت عرض القضية أمام نواب الأمة الأمريكية لسن تشريعات بشأنها. وعرضت مشاريع قوانين من بينها الزام أصحاب متاجر بيع السلاح بعدم بيع أية قطعة سلاح لشخص يقل عمره عن 21 عاما.. وإلزامهم أيضا بالحصول مقدما على شهادة حسن سير من الشرطة بشأن أي زبون قبل بيعه أي نوع من السلاح الناري. غير ان الكونجرس رفض بالأغلبية الساحقة فرض أي قيد مهما كان صغيرا على تجارة السلاح الداخلية. لماذا؟ لأن أصحاب مصانع الأسلحة دخلوا على الخط. فقد تحركوا وسط أعضاء الكونجرس ينشرون الرشاوى يمنة ويسرة ويشترون الذمم. وما بين خياري توفير الأمان للمجتمع أو الكسب المادي الشخصي فضل النواب الامريكيون الخيار الثاني. وهنا نأتي الى مشكلة المجتمع الامريكي الأساسية: انعدام القدوة الحسنة في كافة قطاعات المجتمع ومستوياته.. كل القيادات, من الآباء والامهات والسياسيين والاكاديميين.. الخ, على استعداد دوما لبيع النفس مقابل ثمن مادي دون ان يخشوا ادانة اجتماعية, فالكسب المادي بكل وسيلة وبأية وسيلة هو الشعار الذي ارتقى بتراكمات العقود الزمانية الى مستوى عقيدة مقدسة. لقد انطلق اصحاب مصانع الاسلحة النارية في تصديهم لاحباط مشروعات القوانين المعروضة على الكونجرس من دافع المحافظة على الربح لأنه كان من شأن هذه القوانين لو أجيزت ان تؤدي حتما الى تقليص الطلب في سوق تجارة الاسلحة بغض النظر عن مساهمة هذه القوانين في تقليل أعداد ضحايا الاسلحة النارية. وبمعنى آخر تصبح المعادلة الاجتماعية السائدة في امريكا كما يلي: تحقيق الكسب المادي له أولوية على كل اعتبار حتى لو كان أمان أفراد المجتمع. هذه هي ثقافة الطمع والشبق والاقتناء الأناني التي بدورها أفرزت ثقافة العنف والتحلل الأخلاقي وجرائم الاعتداء على الآخرين وممتلكاتهم, فيبقى الفرد مهموما بهاجس الأمن الذاتي على مدار الساعة حتى ولو كان يعيش في بيئة وفرة مادية.