خيب الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة ظنون مناوئيه السياسيين ورهان المراقبين, عندما أعلن في أول خطاب له منذ فوزه في الانتخابات الرئاسية وتشكيل الحكومة الجديدة عن استعداده للتعاطي مع قضية العفو العام عن الارهابيين التائبين, مالم تتلوث أيديهم بدماء الأبرياء, وهي خطوة بالغة الأهمية ازاء توسيع قاعدة الأمن والسلم السياسي والاجتماعي التي مثلت المحور الأساسي في وكان الجيش الاسلامي للانقاذ قد ظهر الى الوجود لأول مرة في أعقاب تدخل الجيش لالغاء نتيجة الفوز الوشيك لجبهة الانقاذ التي يتزعمها الشيخ عباس مدني ورفيقه علي بلحاج بنصيب الأسد عام ,1992 وبعدها حمل ناشطوها السلاح ووقعت أحداث عنف حصدت أرواح مائة ألف جزائري, لكن وبعد خمس سنوات عاد الجيش الاسلامي للانقاذ الى صوابه وأعلنت قيادته عام 1997 الهدنة من جانبها عهد الرئيس السابق الأمين زروال, فكان ان بدأ العد التنازلي لموجة العنف والارهاب نسبيا, لكن هذا الخيار اصطدم بعائقين, (الأول) ويكمن في عدم التجاوب المطلوب مع المبادرة من قبل السلطة, فلا هي أصدرت عفوا عاما عن ناشطيه الذين ألقوا السلاح وجنحوا للسلم, ولا تحاورت معهم على قاعدة الاعتراف بالآخر واضفاء الشرعية على وجود الجبهة ولا سمحت بممارسة نشاطاتها السياسية. أما العائق الثاني فلأن انشقاقات عديدة حدثت في جيش الانقاذ, أفرزت تنظيمات موازية مسلحة مختلفة في توجهاتها العقائدية والسياسية, رأت الاستمرار في تصفية موجة العنف والارهاب الى مالا نهاية, الى حين اسقاط النظام السياسي برمته أو اذعانه لمطالبها كاملة, ومن ثم رفضت الالتزام بالهدنة. والمشاهد ان مختلف الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم الجزائر منذ أزمة عام ,1992 وعدوا الشعب تباعا بتفعيل المصالحة الوطنية, الرئيس محمد بو ضياف تم اغتياله من قبل قوى مجهولة رأت في التصريح الذي أعلنه في أعقاب عودته من منفاه ورئاسة المجلس الأعلى للدولة: (هذه يدي ممدودة للجميع) خطرا على مصالحها ونفوذها, بعده جاء الرئيس علي كافي وفشل في انجاز المصالحة الوطنية, رغم دعوته لندوة (الوفاق الوطني) التي تخلف عن حضورها عدد من الأحزاب والنخب السياسية البارزة, فيما عاد الرئيس الأمين زروال الى اغلاق صفحة الحوار الذي بدأه بالفعل مع زعامات جبهة الانقاذ المعتقلين, ولأسباب يطول شرحها موصولة بالمكائد السياسية المفتعلة من قبل القوى المهيمنة على السلطة, الامر الذي بدأ مسعاه صوب تجسيد مطلب المصالحة المنشود, بعد اقصائه لهذا الفصيل او اقصائه لنفسه حسبما اكد في خطبه وتصريحاته, ثم اقصى نفسه من السلطة ودعا الى اجراء الانتخابات الرئاسية التي جاءت ببوتفليقة الى سدة الحكم. لكن على ما تبدو عليه الشواهد ان بوتفليقة الذي روج في دعاياته الانتخابية بأنه (رجل المصالحة الوطنية) اكثر قدرة واستعدادا من الرؤساء السابقين لانجاز هذا المطلب الحيوي المنشود, اولا لكونه ولادته السياسية من رحم جبهة التحرير وجيشها الذي حقق استقلال الجزائر وكان احد قادته على جبهة مالى, مما يؤهله لاقناع النافذين من جنرالات الجيش النظامي الراهن بالضرورات الوطنية للعفو عن فصائل جيش الانقاذ واسباغ الاعتراف الرسمي بجبهة الانقاذ, ايذانا بالحوار المتبادل على قاعدة المصالحة الوطنية, ثم ان الظروف السياسة الموضوعية الراهنة في الجزائر بعد فشل الجنرالات المزمن في حل الازمة تمثل زخما شعبيا وسياسيا عارما يدعم مسعاه, في هذا الاتجاه بافضل مما كان عليه الحال قبل خمس سنوات, حين رشحته ندوة الوفاق الوطني في روما للرئاسة, وفضل ان يتولى المنصب عبر صناديق الانتخابات, يسبقه تاريخه النضالي الحافل وانجازاته الديبلوماسية المحققة حين شغل منصب وزير الخارجية ابان ولاية الرئيس هواري بومدين التي تمثل عصر الجزائر الذهبي في الاستقرار والتنمية والمكانة العربية والدولية. على ان بوتفليقة اختار الموافقة على البيان الصادر عن مدني مرزوق قائد جيش الانقاذ في 30 مايو الماضي وشروعه في تقنين الهدنة السارية منذ اكتوبر 97 بعد ان اكد جيش الانقاذ بشكل عملي تعاونه مع قوات الامن والجيش في مقاومة الممارسات الارهابية ومشاركته في تعقب الفصائل المسلحة الناشزة من تنظيمه, لاقناع خصوم المصالحة الوطنية باهدافها وجدواها, في الوقت الذي يشرف بنفسه على تنفيذ خطة امنية طموحة تستهدف هزيمة الارهاب سياسيا وعسكريا, خاصة في المناطق النائية والمعزولة التي يتحصن بها في ربوع الجزائر البالغ مساحة مليونين و300 الف كيلو مربع, عبر الجهود والتعاون المشترك بين الشعب وقوات الامن والجيش, واستخدام الطائرات الهليوكوبتر الحديثة في مطاردة فلوله, والمساعي الدبلوماسية الرامية لتجفيف مصادر دعمه وتمويله من الخارج. ويرى المراقبون ان ثمة صعوبات سياسية لا تزال تعترض قبول بوتفليقة بمعادلات الهدنة وصدور العفو العام, وذلك ان الجو الشعبي العام مشحون بالكراهية والرغبة في الانتقام من عناصر الارهاب والرعب, مما يستدعي الشفافية والصدق في مكاشفة الشعب اولا باول بتطورات المفاوضات المزمع اجراؤها مع قيادة الجيش الاسلامي على طريق السلم والوفاق الوطني, خاصة وان اعمال العنف تتواصل في مناطق متفرقة من الجزائر من قبل الجماعة الاسلامية المسلحة بزعامة عنتر زوابري المعروف بابو طلحة الذي يعتبر جيش الانقاذ عميلا للنظام, وفي نفس السياق هناك القلق السياسي الذي يساور الحزبين العلمانيين الرئيسيين في الجزائر, فبينما تؤيد جبهة القوى الاشتراكية التي تملك 30 مقعدا في البرلمان الحوار مع المتطرفين, لكنها ترفض ان تأتي نتيجة على حساب الديمقراطية والا تعرض الاستقرار المنشود لمخاطر اكبر, اما حزب الثقافة والديمقراطية الذي يملك 19 مقعدا في البرلمان والمعروف بمناهضته للاسلاميين, فالواضح انه يخشى ان تؤدي المصالحة الى تهميشه, ورأى ان اية خطوة تهدف الى حسم النزاع يتعين ان يسبقها الاحترام الكامل للنظام الجمهوري والسمة الديمقراطية للدولة وضرورة التعامل مع ظاهرة المتطرفين باعتبارها مرضا اصوليا فحسب. من هنا بات من المتعين على الرئيس بوتفليقة ارضاء الجميع, عبر اللجوء الى القانون والشرعية الدستورية لاستلهام الحلول الملائمة والخلاقة لمشكلة العنف وتفعيل دعوته للمصالحة الوطنية, واغلب الظن انه سوف يحمي انجازه الشجاع المرتقب عبر دعوة الشعب الى استفتاء عام في مواجهة خصوم نهجه الى تكريس السلام والديمقراطية والانفتاح, كمدخل لامفر منه لاحلال الامن والاستقرار والوحدة الوطنية, وكشرط اساسي لحل مشكلات التنمية والفقر والبطالة والفساد السياسي, واستعادة اللحمة القومية مع المغرب بخاصة عبر تفعيل اتفاقية رسم الحدود المشتركة, وكذا التغلب على الافرازات السلبية للنزاع الصحراوي, توطئة لاعادة الحياة الى الاتحاد المغاربي وتفعيل الشراكة الاوروبية و.. الاسابيع المقبلة حافلة بالمتغيرات والمفاجأت وبعدها يجوز الحكم على مدى صواب النهج (البوتفليقي) من عدمه.