تتحدث أوروبا دائما عن العلائق الوثيقة التي تربطها بالأمم التي تعيش في أمريكا اللاتينية, ودائما ما تكون الأحاديث عن تلك العلائق والوشائج أحاديث شجية تؤكد ــ عاطفيا ـ على الارتباط الديني (الكاثوليكية دين الأغلبية في أوروبا وأمريكا اللاتينية) والثقافة, على الرغم من نجاح محاولات دول تلك القارة اللاتينية للقفز على التراث الأوروبي الاستعماري القديم وبناء ثقافة وطنية متفردة تمزج ما بين الارث الاستعماري وثقافة الوطنيين الأصليين, وهو ما نجحت فيه إلى حد كبير, بل واستطاعت أمريكا اللاتينية ان تغزو بهذا المزيج العالم كله بما فيه دول الاتحاد الأوروبي. لكن في الحقيقة ان أوروبا لا ترى في أمريكا اللاتينية سوى مستعمرات لا ترقى إلى الأمم المستقلة المتحضرة التي تستحق الحوار معها, خاصة عندما يتعلق الأمر بموضوعات يتطلب الحوار حولها ندية سياسية واقتصادية, عند الوصول إلى هذه النقطة تنسى أوروبا العلاقات الدينية والثقافية وتبدأ في الالتفات بعيدا, والتفتيش عن نقاط الضعف في أمريكا اللاتينية حتى تعلل التمهل في خطوات للوصول إلى اجابات على العديد من الأسئلة المطروحة حول امكانية التعاون بين الجانبين. أول ما يخطر في ذهن أوروبا الحديث عن (الديمقراطية) و (حقوق الانسان) في بلاد عاشت ولا تزال تعيش هدفا استعماريا وأسواقا للتجارة من جانب أوروبا نفسها, اضافة إلى المآسي الطبيعية التي تعيشها تلك البلاد من (النينيو) إلى (ميتش) وتستعد حاليا لاستقبال اعصار جديد يسمونه (أدريان) المقرر له ان يعصف قريبا بجانب كبير من المكسيك فيما تنعقد قمة (ريو) بين أوروبا وأمريكا اللاتينية في البرازيل خلال أيام قليلة. في البحث عن أعذار لرفض مطالب دول أمريكا اللاتينية بالتعامل عل قدم المساواة مع أوروبا في مجال التبادل التجاري, اعفاءات جمركية لمنتجاتها الزراعية مقابل اعفاءات جمركية للمنتجات الصناعية الأوروبية, وهي مطالب عادلة, بدأ الجانب الأوروبي الحديث عن (الديمقراطية وحقوق الانسان) وكأن الحكام الذين انتهكوا ولا يزالون ينتهكون حقوق الانسان في أمريكا اللاتينية من صنع شعوب تلك البلاد, وليسوا أحفاد المستعمرين الأوروبيين, اضافة إلى ان كل الدلائل تشير إلى ان أوروبا كانت ولا تزال شريكة لكل من ارتكبوا تلك الجرائم, سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر, وكثيرا بالفعل الايجابي وقليلاً بالفعل السلبي, وقضية الجنرال أوجوستو بينوشيه في تشيلي ليس إلا مثال. الحديث في هذا الاتجاه ليس إلا محاولة لابعاد الأنظار عن قضايا مهمة تلعب المصالح الاقتصادية فيها الدور الأكبر, الديمقراطية وحقوق الانسان لا تعني أوروبا لا في كثير ولا قليل, وعلاقاتها مع دول أخرى متهمة بالاتهامات نفسها دليل على ذلك, والقارئ العادي المتابع لتلك القضايا ليس في حاجة الى دليل, بل عليه فقط ان يتابع ما تنشره وسائل الاعلام من حين لآخر, وموقع اسرائيل الخاص في التجارة مع دول الاتحاد الأوروبي أمر معروف ومسكوت عنه دائما على الرغم من تجاهلها لحقوق الشعب الفلسطيني وانتهاكها لكل القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة. أوروبا لا تريد من أمريكا اللاتينية سوى ان تقبل بكونها سوقا للمنتجات الصناعية الأوروبية, وفي أحيان كثيرة مطلوب منها ان تلعب دور منجم المادة الخام الرخيصة, وأيضا دور المزرعة الخاصة لأوروبا, وحتى يتسنى لأوروبا ان تحصل على ذلك لا تريد ان تحاور دول أمريكا اللاتينية مجتمعة, ولكنها تريد ان تطبق المثل الاستعماري القديم (فرق تسد) لذلك تفضل الحوار مع كل دولة على حدة, أو مع كل تجمع اقليمي على حدة, وعندها يكون الحديث عن الديمقراطية وحقوق انسان له معنى خاص في الحوار بين تلك الدول وأوروبا, حتى يمكن عزل كل دولة بعيدا عن الأخرى, والحوار معها منفردة, في هذه الحالة لن تستثني أوروبا الدول المتهمة بالدكتاتورية وخرق حقوق الانسان. قبل الوصول إلى قمة (ريو) في البرازيل المقرر انعقادها خلال يومي 28 و 29 يونيو الجاري بدأت المناورة الأوروبية باثارة الزوابع ووضع العراقيل أمام امكانية التوصل إلى نتائج من شأنها ان تشكل خطوة جديدة في التعاون بين الجانبين, باعتبار ان هذه القمة حوار ليس مع دولة واحدة, بل مع 33 رئيساً يمثلون دول أمريكا اللاتينية والكاريبي, وكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك أول من تحدث عن وجود خلافات بين الدول الأوروبية حول التعاون مع مجموعة دول ميركوسور (الأرجنتين والبرازيل والأوروجواي والباراجواي), وأشار الى ان هذه الخلافات يمكن ان تعرقل التوصل إلى أي اتفاق ممكن التطبيق في العلاقة بين الجانبين. ولأن موقف الرئيس الفرنسي كان يمكن تفسيره بشكل يضر بمصالح بلاده الاقتصادية في أمريكا اللاتينية لو تم تفسيره على انه (فيتو) ضد مصالح تلك الدول في تعاملها مع دول الاتحاد الأوروبي, فقد قامت فرنسا بحملة دبلوماسية واعلامية تتهم دولا أخرى بأنها كانت السبب في عدم التوصل إلى اتفاق بين دول الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع قمة كولون في ألمانيا قبل اسبوعين حول حدود الحوار مع دول أمريكا اللاتينية في قمة ريو ديجانيرو, وان حديث الرئيس جاك شيراك لم يكن سوى اعتراض على حوار مع طرف لا علاقة له بالاتحاد الأوروبي دون الحصول على موافقة جماعية مسبقة من دول الاتحاد. وحتى تسير الأمور في الاتجاه المطلوب تم عزل اسبانيا داخل دول الاتحاد باعتبارها الدول الأكثر اهتماما بالتعاون مع دول أمريكا اللاتينية نظرا للعلاقات التاريخية واللغوية والدينية بينهما, وأيضا نظرا إلى ان اسبانيا تحتل المرتبة الأولى في مجال الاستثمارات الأجنبية في معظم دول القارة اللاتينية, لذلك استطاعت فرنسا اقناع ألمانيا باتخاذ موقف مشابه مستغلة ثقلها السياسي والاقتصادي, اضافة إلى رئاستها للدورة الحالية للاتحاد الأوروبي. مهمة الرئيس الفرنسي في تدمير القمة قبل ان تبدأ ليست صعبة, بل وجدت في الجانب الآخر من دول أمريكا اللاتينية والكاريبي سياسيين على استعداد للتعاون من أجل افشال هذا الحوار لصالح الجانب الأوروبي, والدليل ان الاجتماع الذي جمع رؤساء الدول الأمريكية اللاتينية في مدينة اثونسيون بالباراجواي الأسبوع الماضي من أجل توحيد الأصوات في هذه المواجهة فشل في ذلك, حيث لا يزال الرئيس الارجنتيني يحلم بالدولار الأمريكي كعملة لدول القارة, وكذلك المشاكل العالقة بين مجموعة ميركوسور بسبب الازمة الاقتصادية في البرازيل. من هنا يتوقع المراقبون ان تكون قمة ريو دي جانيرو مجرد لقاء عابر في تاريخ العلاقات بين الجانبين, ولن يكون سوى مناسبة يقف فيها زعماء الجانبين لالتقاط الصور التذكارية التي تحتل صدر الصفحات الأولى من وسائل الاعلام العالمية المقرر لها ان تتابع هذه القمة. كاتب مصري مقيم في اسبانيا