الهاجس النووي جاء مؤخرا ليقض مضاجع اطراف شتى معنية باقدار ومصائر شبه القارة الهندية ولاسيما في ضوء اتقاد ــ حتى لا نقول اندلاع ــ حوادث كشمير التي شهدتها الفترة القريبة الماضية وما ظل ينجم عنها من تداعيات تنطوي على جانب كبير من الخطورة ومنها ما يهدد بخطر جسيم وخاصة لان الطرفين المتنازعين الهند وباكستان اصبحا يتمتعان ــ كما هو معروف ــ بعضوية ولو منتسبة, ولو على استحياء, في النادي النووي العالمي. ولاشك في ان الطرف العربي واحد من تلك الاطراف التي ينبغي لها ان تنشغل كل الانشغال بشجون وتداعيات الصراع الهندي ــ الباكستاني وما قد يترتب عليه من اثار. والاسباب في هذا المضمار عديدة: هناك اولا حقيقة التجاور الاقليمي بين الطرفين المتنازعين وبين منطقة الخليج العربية عند الحدود الشرقية للوطن العربي, بما تنطوي عليه هذه الحقيقة الجغرافية البديهية من ابعاد استراتيجية تتجسد في وحدة المصالح ومن ثم وحدة الخطر. وهناك ثانيا حقيقة التواجد الديمغرافي ــ البشري لعناصر كثيفة ــ الى حد غير مقبول احيانا ـ ـمن العمالة الهندية والعمالة الباكستانية في منطقة الحدود الشرقية ــ الخليج, بما ينطوي عليه ذلك, بدوره, من احتمالات نقل الصراع الاقليمي بكل مغارمه وضرائبه الى الحيز الخليجي المحلي ومن ثم تحميل سكانه العرب مغبة ازمة تاريخية يزيد عمرها الآن على نصف قرن, وهم في غنى عن هذه التبعات وكفاهم ما يحملون من تبعات وما يصادفهم على الطريق من تحديات في الحال ــ كما يقولون او في الاستقبال. وهناك ثالثا حقيقة الروابط المتينة التي تجمع بين العرب وبين كل من الدولتين الكبيرتين في شبه القارة الهندية, وهي وشائج تحمل العرب على الاهتمام العميق بما يجري على ارضهما وبما يؤول اليه حال النزاع ــ الصراع بينهما: الهند شريكة العرب في حركة عدم الانحياز وكم وقفت مع العرب تأييد القضايا هم العادلة المطروحة على الصعيد الدولي, ومازالت تشارك العرب في التعامل الايجابي مع قضايا التنمية ومشاكل العالم الثالث في اطار مجموعة السبعة والسبعين على وجه الخصوص, ومن ناحية اخرى, فإن باكستان تجمعها مع العرب نفس الاواصر ونفس المصالح بصورة أو بأخرى, ثم تزيد عليها آصرة الانتماء الى العالم الاسلامي مجسدة في شراكة عقيدية وروحية وثقافية ايضا. فتح الملف النووي في ضوء هذا كله, يجوز لنا, من وجهة نظرنا العربية, القومية ان نحاول فتح ملف النشاط النووي في شبه القارة الهندية, وربما على مستوى منطقة جنوب شرقي آسيا بشكل عام. نحن لا نملك ترف التباعد عن هذه القضايا, أولا لأنها نووية وتلك خطورة جسيمة بحد ذاتها, وثانيا.. راجع بالتأمل من فضلك ما سقناه من عوامل ومبررات للاهتمام في صدر هذا الحديث. ولقد تبدأ في هذا المضمار بالاصالة الى دراسة مهمة نشرها في ختام العام الماضي (ديسمبر 1998) البروفيسور براتاب مهتا (وهو من أصل هندي كما ترى) ويعمل استاذا للدراسات الاجتماعية والادارة الحكومية في جامعة هارفارد الامريكية المرموقة. والدراسة تعرض أساسا لأهم دوافع انغماس الهند في النشاط النووي وتفسر هذا الدافع في عبارة تقول: ــ الهند تشعر بقدر جسيم من الافتقار الى الأمن, وانها تعيش بيئة أو مناخا بالغ الشدة أو الحدة من شعور اللاأمن. ما هي اذن أبعاد هذه البيئة من شعور اللاأمن الذي يستبد بالهند مما دفعها مع خريف العام الماضي, مثلا, الى استعراض قوتها النووية على شكل سلسلة من التجارب الذرية, فضلا عما يساور المراقبون لها لأحوالها من هواجس ومخاوف التلويح بالخطر النووي؟ صحيح ان رئيس وزراء الهند عمد بالامس القريب الى استبعاد اللجوء الى حل نووي للصراع الدائر حاليا مع باكستان, ولكن الصحيح ــ في رأينا ــ ان بيئة الشعور باللاأمن يتولد عنها احساس بهاجس الأمن, وقد يزداد هذا الاحساس الى حدود الوسواس, بل قد يتفاقم ــ بفعل عوامل داخلية وخارجية الى حيث يصبح بارانويا ــ رهاب الهاجس الأمني وذلك مناخ مشحون بالتوجس مفعم بالترصد وأخطر ما فيه ان يفضي الى قرارات تتخذ تحت وطأة انفعال وبغير الروية المطلوبة لدى صنع واصدار قرارات المصير, تلك التي ينبغي ان تصدر عن عقلية باردة بالدرجة الأولى. العامل الصيني والعامل الباكستاني ان بيئة الهاجس الأمني ــ بالادق اللاأمني الذي يساور الهند تتسم ــ في رأي أستاذ الادارة والاجتماع في هارفارد بعاملين أساسيين: (1) العامل الصيني. (2) العامل الباكستاني. في اطار العامل الأول, مازال الأمر ينطوي على مشاكل حدودية بين الهند والصين وترجع الى الهزيمة المريرة التي ما برحت غصة في حلوق الهنود منذ نزاع الحدود بين الصين والهند عام ,1962 وقد مات بهذه الغصة من الهزيمة زعيم الهند الاكبر جواهر لال نهرو, وزاد الامر تفاقما ان اقتحمت الصين, نادي الاحتكار الذري واعلنت عن تفجير قنبلتها النووية واتسع نشاطها في هذا المجال ليسيطر او يخيم على اجواء منطقة جنوب شرقي آسيا بأسرها, ثم تفاقم الامر من خلال ما رشح من معلومات لم تزل بردا وسلاما بالطبع على افئدة الساسة الهنود, وتفيد بأن الصين قد عمدت الى تزويد باكستان بامكانات علمية وتقنية, وربما عملية (اجهزة ومعدات) لدعم برنامج باكستان النووي وخاصة في مجال الصواريخ. هنا نأتي الى العامل الثاني ـ الباكستاني الذي ترى الهند ان فيه تهديد لامنها القومي وسجل الدولتين الجارتين حافل بوقائع الصراع الذي وصل ثلاث مرات الى حدود الاشتباك الدموي والحرب السافرة المسلحة منذ انفصال باكستان المسلمة عن الهند واعلان استقلالها في عام 1947. هواجس روالبندي واذا كانت الهند ترى في جارتها باكستان خطرا مستفزا وموصولا وحالا (بتشديد اللام) بحكم علاقة روالبندي الوثيقة مع بكين الخصم الشرقي الشديد البأس بالنسبة لنيودلهي فإن باكستان ترد الجميل لجارتها الهندية فترى في وجودها وسياساتها وحركاتها وخاصة فيما يتعلق بالنشاط النووي ـ خطرا جسيما ومحدقا بدوره.. وباكستان لا تغالي في هذا الامر فكم اثبتت حرب الهند ـ باكستان ـ في خريف عام 1971 ان وقفت الهند الى جانب تقطيع اوصال الكيان الباكستاني الذي كان قائما وقتذاك مما ادى الى نشوء دولة بنجلاديش على ارض باكستان الشرقية ومن ثم ادامة شعور باكستان منذ ذلك الحين بما يسميه البروفيسور مهنا بأنه الانكشاف امام الخطر الجاثم والماثل عبر الحدود الشرقية مع الجارة الهندية. ويعترف استاذ هارفارد الهندي الاصل, بأن الهند ـ رغم ما اخذت به خلال ايام الحرب الباردة بين سياسات مستقلة تقوم على مبدأ عدم الانحياز والحياد الايجابي إلا انها كانت على مدار هذه السياسة, تعمل جاهدة على مزاولة وتطوير انشطتها النووية.. في ظل ما يصفه الباحث بعبارة موجزة تقول (الخيار النووي الهندي) . هذا الخيار بدأ في اعقاب حصول الهند على استقلالها بعد عقود طويلة من الاستعمار البريطاني وبالتحديد في عام 1948 الذي شهد انشاء هيئة هندية معنية بالطاقة الذرية ما لبثت ان تحولت الى دائرة حكومية كبيرة تتلقى تمويلا مستداما وتحمل اسم مصلحة الطاقة الذرية وكان ذلك في عام 1954 حيث تولت هذه المصلحة تنفيذ برنامج نووي تحت اشراف الزعيم الهندي الراحل نهرو وظل البرنامج يتوخى اهدافاً مدنية في الاساس حتى عام 1962 عام الحرب مع الصين وهزيمة الهند واحتلال الصين للتبت المجاورة ومن ثم تفاقم شعور الهند باللاأمن يحكم مرارة الهزيمة اولاً وايضاً بسبب وصول الوجود والخطر الصيني الجسيم الى حدود الهند المباشرة مع التبت, دع عنك تفاقم هذا الشور بالوجل القومي ان صح التعبير عندما جاء عام 1964 فإذا بالصين ــ الماوتسية ايامها ــ تعلن عن دخولها نادي الدول والقوى الحائزة للأسلحة النووية وفي ذلك العام بالذات.. كان طبيعياً ان يصدر لال بهادور شاستري رئيس وزراء الهند وقتذاك اشارة البدء للمضي في برنامج الهند النووي وتحويله من مجرد الاهداف او الاحتياجات المدنية الى حيث يتم دعمه وتعزيزه ليخدم أهدافاً عسكرية من جهة وليقلل المدة الزمنية المطلوبة لبناء وانتاج اسلحة نووية الى حيث تصل الى ستة اشهر فقط لا غير. العامل الامريكي المراوغ ثم دخل الى الساحة العامل الامريكي كيف؟ لقد كان عاملاً مراوغاً كما قد نصفه بعد ان كشفت اوراق كيسنجر السرية ومحاضرة مقابلاته التي نشرت مع مطلع هذا العام كيف كان كيسنجر يمارس لعبة المخادعة بين تأييد علني لباكستان خلال حرب استقلال بنجلاديش عام 1971 فيما كان يضمر نوعاً من التأييد الامريكي للهند. وفي كل حال, فقد جاءت العلاقات الامريكية ــ الصينية التي دشنها هنري كيسنجر لكي تزيد من وساوس الهند ووضعها في اطار ما يمكن وصفه بأنه (عقلية الحصار) بين مطرقة الصين وقد استهلت علاقتها مع امريكا وسندان باكستان التي كانت تربطها علاقات وثيقة مع امريكا أيضاً (جذورها ترجع الى ايام الحلف المركزي ــ السنتو منذ عقد الخمسينات) ناهيك عن علاقة الصين وباكستان التي نضجت الى حد ان وصلت ــ كما المحنا آنفاً ــ الى مستوى التعاون في المجال النووي. هذا المحور الصيني ــ الباكستاني ــ الامريكي الذي شهدته اوائل السبعينات كان هو السياق الذي دفع الهند الى مضاعفة انشطتها النووية والى رفض التوقيع على معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية.. وقد تجلى الموقف الهندي في اجراء اولى التجارب النووية التي اعلنت عنها نيودلهي في عام 1974 ابان رئاسة انديرا غاندي وهو ما جعل رئيسة الوزراء المذكورة محل بغض وعداء شديد في الولايات المتحدة.. ومن بعدها جاء نجلها راجيف غاندي الذي تدل المعلومات المتوافرة انه اعطى البرنامج النووي الهندي قوة دفع جديدة وعفية في اوائل عقد التسعينات (لقي الاثنان ــ الام والابن مصير الاغتيال كما هو معروف). والتسعينات نفسها جاءت بتصدع ومن ثم انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي وجاءت التسعينات ايضا بنوع من الانتعاش هل نقول الازدهار في العلاقات الامريكية الصينية منذ ايام زعيمها الاشتراكي الليبرالي (هل نقول اليساري اليميني وتلك عبرة من تناقض عصرنا) وهو الزعيم دنج هيسياو بنج جاء هذا كله لينقل الهند من موقف التوجس الى موقع الشعور بالعزلة والتوجس وزاد على ذلك ماطرأ خلال ربع القرن الاخير من وهن في قوة وتماسك وتأثير حركة عدم الانحياز ورحيل عبدالناصر وتيتو ودخول الاقطار النامية في مرحلة مدلهمة من تفاقم المديونية وفقدانها حليفها السوفييتي الذي كان الى جانب اسباب وعوامل اخرى وجاء ضعف عدم الانحياز بمثابة تآكل في قيادة الهند لهذه الحركة ومن ثم تقلص نفوذ الهند وانكماش مكانتها ومقدرتها التقليدية على التأثير في مجريات الشؤون العالمية, فضلا عن تفاقم المشكلات الاقتصادية والمعضلات الانمائية على الصعيد الداخلي, في الهند ذاتها وقد اسلم هذا كله الى الاحباط وليس اخطر من شعور الاحباط هذا اذا جاء مقترناقرنا بشعور من تقلص المكانة وانكماش فعالية التأثير ويزداد هذا الخطر اذا ما تنامى مثل هذا الشعور في بيئة تتسم بعقلية الحصار والوحشة والعزلة الاقليمية وبارانويا التربص والتربص المتبادل وخاصة من جانب اقرب جيران الهند الصين الى الشرق وباكتسان الى الغرب. عدم اليقين لمثل هذه المشاعر والمشكلات اصطنعت ادبيات الاستراتيجية والسياسة والاقتصاد في عصرنا تعبيرا صار شهيرا وأثيرا لدى الدوائر المهتمة بمثل هذه القضايا وهو عدم اليقين: وتلك ترجمة طبعا لما تؤدي اليه في الانجليزية كلمة تفيد بمعاني عدم التأكد من حسم الامور بما يحيط بهذه المعاني من دلالات التخبط والعشوائية والعجز عن التنبؤ المحسوب بما قد تؤول اليه تطورات الامور وباختصار تلك الاوضاع التي لاتؤدي فيها المقدمات المنطقية الى نتائج منطقية ومن ثم يحدث تمييع للامور او تصل الاوضاع وانماط التفكير, الى حالة من السيولة بل والحالة الغازية على حد تعبير دقيق للاستاذ محمد حسنين هيكل. خطورة التعود النووي ولعل اخطر مافي الامر كله هو ان يصبح الحديث عن السلاح النووي حديثا مرددا او مستباحا او ببساطة حديثا عاديا وكأنه اصبح من طبيعة الامور. انقضى العهد اذن الذي كان الحديث فيه عن السلاح الذري والقدرة النووية تحفة كوابح اقرب الى المحظورات اي لم نقل المحرمات حيث تتردد عبارات في مقدمتها الردع المتبادل الذي لايجوز في ظله الاقدام على استخدام السلاح النووي نظرا لفداحة مايترتب عليه من نتائج لاغالب فيها ولامغلوب بل الكل مغلوب مغلوب, يستوي في ذلك البادىء بالضربة الاولى ومن يرد عليه بضربة ماحقة ثانية. والدراما الاستراتيجية في جنوب شرقي اسيا مازالت تتوالى فصولها على حد تعبير الباحث الهندي الاصل البروفيسور (براتاب مهتا) الاستاذ في جامعة هارفارد. ولقد عرضنا لرأي الاستاذ (مهتا) فيما يتعلق بجانب الهند من الصراع. ماذا عن جانب باكستان؟ الى الحديث المقبل كاتب سياسي من مصر