تتجه الانظار اليوم بصورة متزايدة نحو مبدأ المجتمع المدني, بوصفه املا جديدا يمكن ان يؤدي دعمه وتفعيله الى انتشال العرب من وهدة تخلفهم المزمن الذي طال امده, والى فتح منافذ جديدة للمشاركة السياسية في القضايا القومية, وقد انبعثت الجذور الاولى لهذا المجتمع في اوروبا, في القرن الثامن عشر , بالاستناد الى مبادىء الديمقراطية والليبرالية والرأسمالية والعلمانية, وذلك كرد على السلطة البابوية التي تقمصت رداء الالوهية. ولكن ابعاده الواضحة لم تأخذ في الاتضاح هناك الا في بداية القرن التاسع عشر, عندما ارسى الفيلسوف هيجل اسسه العلمية بصورة جلية. اما في الوطن العربي فان مفهوم المجتمع المدني حديث النشأة, ولم تبدأ المطبوعات العربية في تقصي هذا المفهوم ومحاولة تحديد اوصافه ورسم خصائصه وتعيين ملامحه الا منذ فترة قصيرة من الزمن وان كانت ارهاصاته الاولية قد بدأت تظهر منذ الثمانينات. ومع ان الابعاد الكاملة للمجتمع المدني لم تتضح بعد ولاتزال بحاجة الى مزيد من البلورة, الا انه توجد عدة نقاط اتفاق اساسية لاجدال بشأنها حوله.. ومن بينها: 1ــ ان المجتمع المدني يشمل المؤسسات الاهلية التي لاتخضع نسبيا لسلطة الدولة وكذلك الثقافة والتقاليد والاخلاق والاسرة والعشيرة والقبيلة. 2ــ ان هناك ارتباطا حميما وعرى وثيقة تربط بينه وبين الديمقراطية وحقوق الانسان, ولاشك ان مهمة تدعيم مجتمعنا المدني حتى يتمكن من القيام بدور فعال في الحياة العربية السياسية والعامة, ليست مفروشة بالورد, لان هناك معارضة قوية في صفوف بعض النخب الحاكمة ضد قيام مثل هذا المجتمع الذي تعده مناقضا لمصالحها ولامتيازاتها لذلك فان على انصار المجتمع المدني ان يحسبوا حسابا لهذه المعضلة, وان يحاولوا النفاذ الى المجالات التي لاتستطيع النخب التحكم فيها, واعتقد ان افضل مجال قد يمكن التحرك فيه ضمن هذا النطاق هو المجال الاخلاقي. الاحتماء بالاخلاق فاذا امكن تحسين اخلاق المجتمع بواسطة التربية والاعلام والنصح المباشر, سواء في البيت او المدرسة او في شتى دوائر الدولة وقطاعات العمل, فان هذا سيشكل عنصر قوة يعتد به للمجتمع المدني. والعكس صحيح, بمعنى ان تردي الاخلاق والقيم يساعد المجتمع غير المدني على انشاب اظفاره وممارسة الظلم والهيمنة على الجماهير, وبين المقاييس التي يمكن الاخذ بها, عند تعيين سمات الاخلاق الحميدة, ما يسمى بالمدينة الفاضلة. فبقدر ما نقترب من هذه المدينة, او نبتعد عنها باتجاه المدينة الفاسدة, نكون قد دعمنا او اضعفنا مجتمعنا المدني. فمنذ زهاء اربعة وعشرين قرنا من الزمان, قدم لنا الفيلسوف اليوناني العتيد افلاطون, وصفا مسهبا للمدينة الفاضلة التي تسير فيها جميع الامور سيرا مثاليا منزها عن الاهواء الانانية, ويسلك الناس في كنفها مسلكا اخلاقيا مترفعا عن الرذائل وتفاهات الحياة, فيعم الخير, ويعلو صوت الحق. وبعد انقضاء قرابة تسعة قرون بشر رسولنا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم بمجتمع فاضل تسوده شريعة الاسلام, وترفرف عليه رايات التقوى والعدالة والمحبة والتعاون, وينأى عن زخارف الدنيا وموبقاتها. وفي القرن العاشر الميلادي, اتحفنا الفارابي بكتاب (اراء اهل المدينة الفاضلة). وقبل ما ينوف على مئتي عام تكلم جان جاك روسو, الفيلسوف الفرنسي الشهير على المجتمع الصالح الذي يتنازل فيه كل فرد عن مصالحه وحقوقه من اجل المجتمع كله, وفي سبيل القانون. ولست هنا بصدد شرح شروط الحياة في المجتمعات المثالية بل انني على العكس من ذلك, اريد ان اتخيل مجتمعا مغايرا او حتى معاكسا لها.. مجتمعا تسير فيه الامور خلافا لما نادى به الرسول العظيم وافلاطون والفارابي وروسو. ومن خلال هذا التصور اريد ان اصل الى بعض النتائج, ولنطلق على المجتمع المذكور, افتراضيا, اسم (المجتمع الفاسد) وفيه نجد ان النفاق ومحاباة الظلم ومسايرة الاخطاء هي الطرق الموصلة الى المال والجاه والشهرة والمناصب العليا. اما الاستقامة والصدق والاعتراض على الاخطاء, فلا تقود الا الى شغف العيش والفقر والعزل والابعاد. انه مجتمع غريب وفظيع.. وفي ظله يشعر الانسان انه لايستطيع ان يحصل على كرامته وقوته ومقومات حياته, الا اذا مالأ وتجاوز القانون وكال المديح لمن لا يستحقه. في مثل هذا المجتمع الفاسد.. اذا امتطى الانسان صهوة الفضيلة, وسار في درب الورع ونادى بالاصلاح.. كابد البؤس وجاع مع ابنائه وبناته, وسدت في وجهه السبل وحوصر من كل اتجاه. اما اذا سكت على الخطأ وساير المنحرفين وصب بخور الثناء على من هم غير جديرين به, وبارك الظلم, تفتح امامه الابواب وتتيسر السبل.. فيصعد درجات السلم.. ويحصل على كل ما يريد, في مجتمع كهذا, يشعر الناس ان استقامتهم, ربما اصبحت عبئا ان لم تكن وبالا عليهم, وبعض هؤلاء يصمدون ويتماسكون ويقاومون ويضحون في سبيل استقامتهم, ولكن بعضهم الآخر ينهارون ويضطرون الى اللحاق بموكب النفاق, توفيرا للقمة العيش, ونتيجة لهذا الوضع المقلوب يتزايد عدد المزايدين والاشرار, بينما يتناقص عدد الصالحين الصامدين, وفي حالة استمرار الاحوال على هذا المنوال لفترة طويلة من الزمن في بلد ما, فإن الامة ستنهار وسيحل الطوفان. الراهن العربي ويحق لنا ان نتساءل الآن: اين العرب اليوم من المدينتين الفاصلة والفاسدة؟ لايستطيع احد ان يقول باننا نحيا في مجتمع فاسد, اذ لو حدث هذا لانقرضنا وآلت بلادنا الى الزوال, كما ان من غير الصحيح الزعم باننا نعيش في رحاب مجتمع فاضل تسود فيه القيم الاخلاقية الرفيعة. نحن في الحقيقة نقف في نقطة ما ضمن الخط الفاصل بين المدينتين, الفاضلة والفاسدة, فما زال للفضيلة في حياتنا دورها ومقامها وتأثيرها, لكن للفساد ايضا حضوره وفعاليته واظفاره الناشبة, لذلك نجد ان الخير يعلو في مجتمعنا حينا, ويتراجع حينا آخر, وفي بعض الاوقات يتحقق التوازن بينهما. ولكن ما اخشاه, ان بعض بوادر المجتمع الفاسد ومقدماته, قد بدأت تلوح في الافق, في هذا المكان او ذاك, من الوطن العربي, وهي بمثابة الدمدمات الاولى لبركان قد يثور ويقضي على كل شيء, وهذا ما يجب ان يدعونا الى الاسراع في معالجة الامر, قبل ان تتحول البوادر الاولية الى اعراض دائمة وقبل ان يتسع الخرق على الراقع, وتخرج الامور عن دائرة السيطرة, لقد بدأنا للأسف, نسمع في بعض بقاعنا العربية اناساً يقولون بأن على المرء ان يتدبر اموره بأية وسيلة, حتى لو كانت ملتوية, وان الطريق المستقيم لا يمكن ان يوصل الى الرفاهية, وان الانسان الشريف, لا بد ان يصل الى الطريق المسدود, وهذه اقوال فظيعة تدعو الى الفزع. وبصورة عامة, قد تكون بعض قطاعات مجتمعنا العربي اقرب اليوم الى المدينة الفاسدة منها الى المدينة الفاضلة, فإذا دققنا في كل منزع من منازع الحياة العربية, وفي اية مؤسسة من مؤسسات المجتمع, وفي هذا المجال او ذاك من مجالات العمل, نجد للنفعية الباع الاطول في التعامل ولمنطق المصالح الشخصية الكعب الاعلى في التطبيق. ففي ميدان القضاء, مثلاً, لا نستطيع ان ننفي ظاهرة الوساطة التي تجعل صاحب الحق عاجزاً عن نيل حقه, وضعيفا امام عدوان خصمه وفي حقل السياسة, كثيراً ما تؤدي المصالح الفردية الخاصة لأصحاب القرار الى خراب الوطن وتقهقر الأمة, وفي المجال التجاري, غالباً ما نشهد الوانا من الاستغلال البشع والغش الذي لا يقف عند حدود, وفي مضمار الأدب والصحافة, هناك مثلاً ظاهرة لصوص الكتابة الذين يسرقون مقالات الآخرين وينشرونها بأسمائهم هم, كما لا ننسى ظاهرة الكتاب المنافقين الذين يحولون الحق الى باطل والباطل الى حق ويزورون الحقائق من اجل الحصول على مكاسب ومغانم شخصية لا يستحقونها. وفي المجال التربوي نجد بعض الطلاب يتطاولون على اساتذتهم في الصفوف ويحاولون الغش في الامتحانات, وفي المضمار الدوائي, هناك ادوية تنتجها بعض الشركات دون ان تتضمن اية فعالية علاجية, بل هي مجرد كتل من الحبوب او الشرابات او الحقن الخالية خلوا كاملاً من العنصر الدوائي. وفي الحقل الطبي كثيراً ما نجد بعض الاطباء يستغلون حاجة بعض المرضى الى العلاج السريع, فيتقاضون منهم مبالغ فاحشة من المال لقاء اسعافهم او اجراء عمليات جراحية لهم. ويعود الجزء الاكبر من الظواهر السابقة الى غلبة النزعة الفردية الأنانية التي تزداد تضخماً مع ازدياد التخلف. هناك اذن ترد واضح في التعامل الاخلاقي وتدهور ملحوظ في القيم في بعض او في كثير من قطاعات مجتمعنا العربي. ولا بد من مواجهة الموقف دون ادنى تردد او انتظار, ولكن كيف نواجهه؟ اذا التمسنا الحل من التربية التي لا يظهر مردودها الا في المدى البعيد جداً, فإننا لن نحصد الثمرات, الا بعد حلول الطوفان وخراب روما ــ كما يقولون ــ ولن يفيدنا بشيء بعد ذلك انتشال الجثث والاشلاء. الدور الاعلامي ويبدو لي ان اسرع وسيلة علاجية تتمثل بالكتابة والاستعانة بوسائل الاعلام, واخص بالذكر الدور الريادي البارز الذي يمكن ان تضطلع به الدوريات العربية الجادة والاوسع انتشاراً او التي يتوجب عليها ان تظهر للقراء مخاطر الفساد والافساد بطرق كتابية مبتكرة وجديدة تختلف عن الطرق التقليدية السابقة في الكتابة, وان تثبت ان الفضيلة هي المعتصم الوحيد الذي يجب ان نعتصم به, لكي تقينا من عاديات الزمن ومن كوارث قومية مستقبلية لا تحدها حدود. ولا ننسى ايضاً اهمية الرجوع الى الادبيات الاخلاقية التي يزخر بها تراثنا العربي والاسلامي المجيد, حتى تنير لنا الدرب, وتدلنا على طريق السداد, ففي القرآن الكريم والحديث الشريف نصوص عظيمة لا حصر لها يمكن الرجوع اليها والاهتداء بقبسها. ونذكر في هذا المجال (وثيقة المدينة) التي نشرها رسولنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم في يثرب, والتي تنظم العلاقات بين الافراد والجماعات والاديان وتساعد على تدعيم البناء الداخلي للمجتمعات, ويشير الدكتور كريم ابو حلاوة في كتابه (اشكالية مفهوم المجتمع المدني) الى جهود الدكتور الطيب تيزيني في الكشف عن مدلولات هذه الوثيقة من خلال قراءته الكاملة لها, مبيناً انها تنطوي على ثلاثة مبادىء اساسية هي: 1 ــ الاقرار المتبادل بوجود الآخر وبشرعيته الكاملة. 2 ــ التعاهد على عدم الاعتداء من قبل احد الاطراف على الآخر. 3ــ تضافر الجهود لبناء المجتمع على اسس دينية ولا دينية يعبر عنها بطرق دستورية. ونعتقد ان هذه المبادىء الثلاثة يمكن ان تشكل اساساً متيناً لمجتمع مدني عربي ولتعامل أخلاقي نبيل. ويمكننا ايضاً الرجوع الى ابن خلدون الذي يدعو الى تصريف شؤون المدينة وفقاً لمقتضيات الاخلاق والحكمة. وبعد ذلك, هناك المبادىء التي ظهرت في فكر النهضة العربية الحديثة التي قادها الافغاني وعبده والكواكبي والتي وان لم تكن قد اتت بصراحة على ذكر مقولة المجتمع المدني, الا انها تدور عملياً في فلكها وتصب في مصبها. ولا ننسى ايضاً الادبيات العربية التي تربط بين المجتمع المدني ومجتمع المدينة الذي يقوم على الروابط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المبنية على حرية المبادلات, في اطار مؤسسات وتنظيمات تستطيع التعبير عن نفسها والدفاع عن مصالحها. وبعد, فإن الخصائص الاساسية التي تميز المجتمع المدني مثل الديمقراطية والتعددية وحقوق الانسان والمساواة بين الناس وقبول الرأي الآخر وحرية التعبير, لا يمكن ان تتحقق الا في ظل مجتمع تقوم فيه العلاقات بين الناس على اسس أخلاقية متينة, اذ كيف يمكن لمجتمع ما ان يمنح المواطنين كامل حقوقهم السياسية والمدنية اذا لم تكن العلاقات فيه قائمة على مبادىء أخلاقية حميدة وقيم سامية؟ كاتب سوري