لم اعرف حتى الآن دارسا من الدارسين العرب او الاوروبيين استطاع ان يرتقي بدراسة موضوع(الاستشراق)الى مستوى التحليل الفكري المنهجي كما ارتقى به ادوارد سعيد. ذلك ان ادوارد سعيد لا يدرس ظاهرة الاستشراق دراسة تاريخية او ببيلوجرافية, على نحو ما نرى عند جل الدارسين , وانما يدرسها بوصفها تنطوي على اشكالية معقدة نسجت خيوطها بأسلوب جديد لمعرفة جديدة تتصل بعلاقتنا مع الآخر. ومن تجليات هذه الاشكالية اننا نرى ادوارد سعيد يطرح اسئلة جوهرية ترتبط بالعلاقة التاريخية والثقافية بين اوروبا وآسيا وبالنظام التدريسي العلمي الذي اتاح للاوروبيين في مطلع القرن التاسع عشر إمكانية التخصص في دراسة انماط الثقافات الشرقية, وبالافتراضات الايديولوجية, والصور والآخيلة (الفانتازية) عن الشرق. توسيع المفهوم ومن تجليات هذه الاشكالية ايضا ان ادوارد سعيد يوسع مفهوم الشرق جغرافيا ليشمل الجنوب بأسره مقابل الشمال ويوظف منهجا متميزا يفيد فيه من مناهج (فوكو) و(باختين) والبنيويين, ولكنه لا يكرر تلك المناهج, وانما يتمثلها, ويضيف اليها لمسات اصيلة تومىء الى طابعه الخاص ونفاذ بصيرته وألمعيته, وهو ما نلمسه في سائر تحليلاته لظاهرة الاستشراق خاصة وللظواهر الثقافية والادبية عامة, وهي التحليلات التي تزيح الستار عن العلاقة الوثيقة بين تلك الظواهر والبنية الفكرية الامبريالية. ان الاستشراق عند ادوارد سعيد (اسلوب من الفكر قائم على تمييز وجودي (انطولوجي) ومعرفي (ابستمولوجي) بين الشرق و(في معظم الاحيان) الغرب) ولكن هذا (الفكر) في كتابات ادوارد سعيد لم يكن ابدا فكرا موضوعيا حياديا بريئا, بل كان فكرا مريبا مغرضا يستهدف (السيطرة على الشرق, واستبنائه, وامتلاك السيادة عليه) . ذلك هو المفهوم الذي يسلك جميع كتابات ادوارد سعيد التي تدرس ظاهرة الاستشراق والظواهر الثقافية والادبية الاخرى التي تمس اشكالية العلاقة مع الآخر, وخاصة في كتابيه الذائعي الصيت (الاستشراق) و(الثقافة والامبريالية) . وتجنبا للإطالة والتكرار ونافل الكلام فإننا لن نقدم عينات من الظواهر الاستشراقية التي درسها ادوارد سعيد في هذا المقام ما دامت تلك العينات كلها تأتي في سياق البرهنة على صحة المسلمة التي انطلق منها, وهي توظيف الاستشراق بغرض الهيمنة الاستعمارية بجميع اشكالها وانماطها على الشرق خصوصا والعالم الثالث عموما, وانما نحاول ان نثمن هذا الموقف الذي اصبح معروفا وغنيا عن العرض والشرح في اوساط المفكرين المعاصرين. إلا ان ادوارد سعيد ركز اهتمامه على دراسة الاستشراق الانجليزي والفرنسي والامريكي, ولم يدرس الاستشراق في سائر الاقطار الاوروبية. ولن نستعرض كل جهود المستشرقين الاوروبيين في هذه العجالة, وانما نكتفي بالوقوف عند جهود المستشرقين الاسبان والالمان تحديدا, وبايجاز شديد. جهود المستشرقين الاسبان لعلنا نتنكب جادة الصواب اذا حاولنا ان نغض الطرف عن حقيقة العلاقات التاريخية الاسبانية العربية, ونقفز على برزخ الصراعات الدموية على اثر خروج العرب من اسبانيا بعد مكوثهم هنالك طوال ثمانية قرون, وما تلا ذلك من حروب صليبية طاحنة ومن ملاحقة للمسلمين الاسبان الذين تنصروا على سبيل التقيه او تنصروا هروبا من محاكم التفتيش وهم (المورسكيون) , فضلا عن ملاحقة (المورو) وهم العرب والمسلمون عموما. ان الاسبان ظلوا يهمشون (المورسكيين) ويحطمون ثقافتهم المتميزة التي كانت تحول دون اندماجهم وذوبانهم التام في المجتمع الاسباني, كما كانوا يزرعون صورة مشوهة عن (المورو) الشبق المتغطرس المتوحش المتعطش للدماء, في وجدان الابناء والاحفاد على امتداد ثلاثة قرون او يزيد, وهو ما يعترف به بعض المستشرقين الاسبان, على نحو ما فعل (خوان جويتيسولو) الذي يؤكد استمرار هذه النزعة العدائية التي تغذيها الاحن الصليبية الدفينة التي تتجلى من خلال الادب الاسباني صراحة. (يمكن ان يبدو الكشف عن صورة (المورو) كما تظهر في ادبنا الاسباني الممتد على قرون عديدة شبيها بممارسة شاذة موجهة لاغراق القارىء بأنطولوجيا ومنتخبات كاملة من الشتائم والنعت القدحية, وفي مقدورنا حقا ان نجمع بهذا الصدد مجلدات كاملة من الصفات الاكثر اهانة والصور الاكثر ازدراء, والنظرات الاكثر تمركزا عرقيا, فلقد تمخض السجال مع الاسلام, الذي انتعش في البداية, بدافع مقاومة المسلم الاسباني, ومن بعده ضد المسلم التركي, ومن ثم, وابتداء من اواسط القرن التاسع عشر, ضد جيراننا الافارقة الشمالييين, اقول: تمخض عن أدب واسع تذكر حولياته وقصصه ومآسيه, بما يتكرر فيها من (كليشيات) ومحاجات) . الا ان هذه الروح العدائية ما تلبث ان تخف حدتها شيئا فشيئا, ثم تتحول فيما بعد لدى كثير من المستشرقين الاسبان من النقيض الى النقيض, اي من العداء الدفين الى الصداقة الصريحة, ويكفي ان نشير في هذا المقام الى كتابات المستشرقين الأسبان الذين أنصفوا العرب والمسلمين, من أمثال (مانويل جارثيا مورنته) و(دومينجو باديا) الذي أسلم, و(السير ريتشاردبرتون) و(ايمليو جارثيا جوميثا) و(خوان جويتيسولو) وغيرهم كثيرون. ان (جويتيسولو) ـ على سبيل المثال ــ يعبر عن أسفه الشديد على (الابادة المنظمة) التي تعرض لها (الموريسكيون) ومحو آثارهم الثقافية, و(احراق المخطوطات العربية) والغاء الكراسي الجامعية المتخصصة في الدراسات العربية الاسلامية, مؤكدا ان سبب ركود الثقافة الاسبانية في القرون الماضية يرتبط اساسا بمحاولة كبت الثقافة العربية الاسلامية التي تمنح تلك الثقافة أصالتها. ولكن تلك المحاولات باءت بالاخفاق في تقدير (جويتيسولو) فلا (احراق المخطوطات العربية, ولاسياق التطويع الثقافي واتهام الأسبان المختلفين بكونهم أنصار الشيطان تمهيدا لطردهم, ولا المحاولة الخرقاء لتنصير المساجد والمنابر الاسلامية أفلحت في إزالة المزار الهائل من الذكريات والشواهد, (فكل مشاهد يلاحظ, ومن أول نظرة, غرابة قصر كارلوس الخامس في (الحمراء) وغربته بالقياس الى محيطه الغرناطي الاسلامي, وكما نعلم اليوم, فالواقع المقبور باسم مذهب توحيد الأسبان لم يختف الا سطحيا, وبقي متجذرا في ما دون وعينا, تماما كهذه الانطباعات والصور الطفولية المنسية في الظاهر, والتي تظل تترصدنا في الأعماق, متحينة الفرصة لمعاودة الانبثاق الى السطح) . ذلك هو رأي (جويتيسولو) في الثقافة العربية الاسلامية بأسبانيا. المستشرقون الألمان اذا كان الاستشراق الأسباني قد تشكل في ضوء العلاقات التاريخية العربية الاسبانية, واذا كان محكوما برواسب تلك العلاقات التي لم تكن تخلو من أحقاد صليبية دفينة, لم يأخذ في التخلص منها الا في القرن الثامن عشر بالعودة الى تأمل زخم التراث الحضاري العربي الاسلامي, واذا كان الاستشراق الانجليزي والفرنسي محكوما بالاطماع الاستعمارية وبسط الهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية أحيانا, فإن الاستشراق الألماني كان أكثر موضوعية وحيادية وانصافا للعرب وحضارتهم, ولعل ذلك يرجع أساسا الى كون ألمانيا لم تدخل في علاقات تاريخية مباشرة مع العرب, سواء عن طريق الفتوحات الاسلامية أم عن طريق الاستعمار وبسط السيطرة الامبريالية. ومن هنا نجد الاستشراق الألماني يزخر بالكتابات التي تشيد بالحضارة العربية الاسلامية ودورها في اثراء الحضارة الأوروبية, ويكفي في هذه العجالة ان نشير الى كتابات كل من (بروكلمان) و(هونكه) و(شيمل) و(جوته) وغيرهم من كانت المعرفة هدفهم والموضوعية والنزاهة ديدنهم. وأيا ما يكون الأمر, فإننا لايمكن أبدا أن نضع سائر المستشرقين في سلة واحدة, ونزعم انهم يسخرون أقلامهم لخدمة الاستعمار والامبريالية, وقد أثارت هذه القضية لغطا كبيرا بين ادوارد سعيد ومعارضيه من الدارسين من أمثال (ألبير حواراني) و(مكسيم رودنسون) و(برنادر لويس) وغيرهم. والحقيقة ان ادوارد سعيد نفسه يعترف صراحة انه لم يدرس الاستشراق الألماني ــ بله الاستشراق الاسباني ــ مؤكدا ان الذي يهمه في كتابة الموسوم بـ (الاستشراق) وهو الكتاب الذي لا يزال متمسكا بطروحاته كما يؤكد هو نفسه هو الاستشراق المغرض تحديدا, ففي سياق اجابته عن السؤال الآتي الذي وجهه اليه (صبحي حديدي) بأن احدى الحجج الرئيسية ضد (الاستشراق) دارت حول اهمالك للاسهام الألماني, المختلف بهذا القدر أو ذاك, في الدراسات الاستشراقية, منظور نقدي آخر أعرض جاء من ألبير حوراني ومكسيم رودنسون يقول ادوارد سعيد: (لقد أوضحت بجلاء تام ان ما أدرسه هو الاستشراق مأخذوا ليس من وجهة نظر ما كتب عن الشرق, بل فقط من وجهة نظر القوى التي كانت لها مصالح استعمارية في الشرق الأوسط: فرنسا, وبريطانيا, ثم الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية, بوسع الناس ان يقرأوا الاستشراق الألماني كما يحلو لهم, ولكن وجهة نظري أنا بالذات لم تنصب على استمولوجيا جميع الدراسات الشرقية, بل على تلك التي ارتبطت بمشروع امبريالي تحديدا) . ويبدو ان هذا اللبس الذي ضلل عددا كبيرا من منتقدي فكر ادوارد سعيد ناشئ أصلاً من عنوان كتابه (الاستشراق) الذي كان ينبغي أن يذيل بعنوان توضيحي صغير يحدد المناطق الجغرافية التي تهمه, وان كان فهرس الكتاب يوضح ذلك بما لايدع مجالا للشك في منهجية ادوارد سعيد. واضافة الى هذا فإن هناك لبسا آخر ذا مصدر أعمق وأخطر يتصل بالمرامي البعيدة لكتاب (الاستشراق) ونعني بهذا اللبس ما يتصل بالموقف من الغرب, فالذي يقرأ كتابات اداورد سعيد عن الاستشراق يستقر في ذهنه ضمنا ان الرجل يدين الغرب وينتصر للثقافة العربية الاسلامية التي تؤكد هوية الشرق في نهاية المطاف, ولكن ادوارد سعيد يفاجئ القارئ ــ في سياق الرد على متهميه بالتعصب والعنصرية من الاوروبيين والامريكيين ــ بأنه لم يكن متمسكا بالهوية العربية الاسلامية, ولم يكن يدافع عنها في حد ذاتها بقدر ما كان يريد ان يدافع عن هجنة الثقافات الانسانية وتعددها, وهو الأمر الذي يشرحه بوضوح في كتابه (الثقافة والامبريالية) على النحو الآتي: (انه لذو أهمية خاصة بالنسبة لي, كعربي وغربي, (ان ينجلي) ان فكرة التعددية الثقافية او الهجنة ـ التي تشكل الاساس الحقيقي للهوية اليوم ـ لا تؤدي بالضرورة دائما الى السيطرة والعداوة. بل تؤدي الى المشاركة, وتجاوز الحدود, والى التواريخ المشتركة والمتقاطعة, وانه لعلى قدر كبير من الأهمية ان نتذكر ذلك في وقت يحاول فيه متطرفون مثل صامويل هنتيجتن ان يقنعوا العالم بأن صدام الحضارات امر محتوم لا مفر منه) . فليس من شك في أن مثل هذا التصريح يصيب كثيرا من القراء العرب بخيبة امل, على نحو ما حدث بالنسبة الى الدكتور (كمال ابوديب) مترجم كتابي (الاستشراق) و(الثقافة والامبريالية) . ان الهجنة الثقافية التي يدعو اليها ادوارد سعيد هنا بوصفها سمة لثقافة العصر, تعني ببساطة التخلي عن الهوية الخاصة مقابل هوية عالمية, او بتعبير آخر: فانها تعني الدعوة الى عولمة ثقافية تذوب فيها سائر الثقافات المحلية, فهل يمكن ان ننظر الى الهوية بوصفها اثما أو عارا ( في عالم متأرجح بصراع الهويات) على حد تعبير الدكتور كمال ابوديب؟! وهل يمكن ان يكتفي العالم بنموذج واحد من الثقافات الانسانية؟ وهل يمكن ان تكون كل الهويات قابلة للذوبان في هوية واحدة مؤتلفة تلغي فكرة الهويات أساسا؟ كل هذه الاسئلة وما يماثلها تظل مشروعة عند تثمين موقف ادوارد سعيد من الاستشراق, وليس من شك في ان الاجابة عنها بالنفي هي الاجابة المناسبة. ولعل ادوارد سعيد هنا يقع بين فكي مفارقة حقيقة, فهو يدين الامبريالية الغربية التي توظف الاستشراق لتحقيق اهدافها المعلنة والمضمرة في استعباد الشعوب وتدمير هوياتها ومسخ ثقافاتها, ثم يقبل النموذج الأوحد الذي تفرزه تلك الامبريالية وتريد ان تفرضه بالقوة بوصفه بديلا عن كل الهويات والثقافات. والارجح ان ادوارد سعيد وقع في هذه المفارقة بحكم ظروفه الشخصية الواقعية التي تفرض عليه ان ينسلخ عن جلده العربي كي يقبل في المجتمع الامريكي, وبما انه لا يستطيع ان يفعل ذلك بسهولة, فانه يطلق مقولته الشهيرة: (انني شعبان في واحد) , ثم يطلق مقولة اخرى توسع دائرة المقولة الاولى وتزيدها ارباكا, فيجيب عن السؤال الذي طرح عليه في باريس سنة 1994: (كيف تعيد اليوم صياغة أو اعادة صياغة عبارتك: انني شعبان في واحد؟ على النحو الآتي: (الحق انني لم أعد اشعر انني شعبان منفصلان في واحد, بل اربعة او خمسة ربما!) . وهذا يعني ان ادوارد سعيد يقطع كل صلاته بفكرة الهوية المتميزة, سواء كانت عربية أم كانت فلسطينية, وهو موقف يعد قمة في التناقض في فكر ادوارد سعيد الذي عرف بدفاعه المستميت عن القضية الفلسطينية. وكي يقنعنا ادوارد سعيد بمثل هذا الموقف, فانه يعمد الى تمييع العناصر التي تصنع الهوية المتميزة, فالمكان عنده لم يعد مكانا محددا, مادام (الشرق) من صنع مخيلة الغرب المغرضة, وما دام (الشرق) قد اصبح يشمل العالم الثالث بشكل عام, بغض النظر عن المواقع الجغرافية, والاسلام في نظره غامض وغير محصن ضد التنازع التأويلي الذي (تشهده المجتمعات الاسلامية حول ماهيته) , والعروبة هي الاخرى قد تفقد ماهيتها تبعا لذلك كله. وختاما فان موقف ادوارد سعيد من الاستشراق كان حصيلة دراسة اصيلة واستقراء دقيق دؤوب, ولكنه يظل أسير الراهنية الذاتية والظروف الشخصية, أو بعبارة اخرى: فان المقدمات المنهجية لطبيعة الفكر الاستشراقي عند ادوارد سعيد لم تتمخض عن الموقف المناسب المتوقع والمنشود, ولكن هذا لا ينقص من قيمته بوصفه باحثا موهوبا يمتلك بصيرة نفاذة, كما يمتلك ناصية منهج صارم في الاستقراء.