مائة ألف ضحية, مليون ونصف لاجىء مشرد في العراء, خمسة وعشرون الف حالة اغتصاب, سبعمائة وعشرون قرية ومدينة محروقة, عشرة آلاف لغم مزروعة في الطرقات والسهول, مليون ونصف هوية وجواز مصادرة . عشرة آلاف جثمان لاطفال ونساء وشيوخ لاتزال دفينة المقابر الجماعية تشهد على عمليات الابادة الدينية تكتشفها يوميا قوات (الكي ــ فور) كل البنية التحتية لاقليم كوسوفو دمرت نهائيا فلا جسور ولا محطات توليد كهرباء ولا سدود ولا طرقات ولا مضخات ماء صالح للشراب.. كلها دمرت الى جانب المساجد التي يذكر فيها اسم الله والمدارس والمستشفيات, ماذا بقي من كوسوفو اذن؟ وهؤلاء العائدون ليبكوا موتاهم وليبحثوا عن ابن ضائع وبنت مفقودة وجد ظل وحيدا في المزرعة وطفل لم يسمعوا عنه خبرا منذ ستة اشهر, هؤلاء العائدون الاشباح من رحلة المنفى والعذاب على حدود مقدونيا وحدود البانيا.. كيف سيجدون قراهم ومزارعهم في كوسوفو بعد مرور القتلة والارهابيين الصرب وهم يعتبرون انفسهم اسعد حظا ممن مات وعذب وحرق بالنار وحفر قبره بيديه.. اسعد حظا ممن اخذهم الصرب دروعا بشرية وزعوهم على مصانع السلاح ومخازن الذخيرة في بلجراد.. اسعد حظا ممن بقي هناك في برشتينا هاربا من الجلادين في احراش الجبال وسفوحها وقلب الغابات وقاع الوديان هؤلاء الذين يعدون بحوالي نصف مليون وتحولوا بغريزة البقاء الى حالة انسان ما قبل التاريخ يقتاتون الحشائش البرية ويهيمون على وجوههم كأهل الكهف لايدركون ما يجري على مسافة كيلو او اثنين منهم حيث يسمعون طلقات الرشاشات الصربية ويتوقعون ان اخا او ابا او جارا تم اعدامه بوحشية الصرب (القومية) المعروفة وباوامر من السفاح المجرم سلوبودان ميلوسيفيتش. هذه الوان اللوحة الفاجعة التي تعرض علينا كمسلمين اليوم من خلال عودة مليون ونصف كوسوفي تدريجيا الى بلادهم فكيف نفهم بل كيف يعقل ان نتصور الغد المنظور لهذا الشعب المضطهد داخل منظومة ما يسمى بيوغسلافيا او صربيا الكبرى؟! كيف يجوز لقادة حلف الاطلسي بعد شهرين وعشرة ايام من القصف ضد ارادة الابادة والتهجير ان يخططوا لالحاق هذا الشعب المسلم المستضعف بجلاديه الصرب الارثدكس, لقد تحمل شعب كوسوفو ببطولة عبر ستة قرون كاملة من تاريخه اطول وابشع وافظع عمليات الابادة.. منذ معركة برشتينا الكبرى عام 1389 التي استشهد فيها السلطان العثماني مراد بعد ان قتل قيصر الصرب الملك لازار.. كانت معركة فاصلة لبقاء شعب كوسوفو, وهو الشعب المسلم منذ العام 1992م اي منذ الف وسبع سنوات حينما اعتنق ملكه الاسلام وسمى نفسه جعفر بن عبدالله وبعث مستنصرا بالخليفة العباس المقتدر بالله الذي اعانه بتوطيد اركان الاسلام ببعثات علماء وفقهاء. لقد ظل الكوسوفيون مسلمين موحدين مشهدين على مدى اكثر من الف عام منها ستة قرون كاملة من العسف والقهر والقتل والتشريد. اليوم في كل شوارع مدن كوسوفو يخرج الناس مرحبين بجيش تحرير كوسوفو (يو سي كي) وجيوش الاطلسي او حتى جيش روسيا, لقد التحم شعب كوسوفو مع هذه الصفوة المجاهدة التي رفضت الوحشية وردت على النار بالنار وقدمت الاف الشهداء. اليوم اصبح جيش تحرير كوسوفو صاحب الشرعية النضالية الجهادية في معادلة البلقان ولا حل بدونه ولا حل بالطبع ضده, انه في القلوب وعلى الحناجر.. برمزه المعلن والذي يوشح زنود مقاتليه: (في سبيل الله ومن أجل كوسوفو) انه جيش تحرير لشعب مسالم وديع لم يعتد يوما على الصرب ولا على جيرانه ولم يرفع راية التحرير الا دفاعا عن حياة مواطنيه واعراضهم وارزاقهم وحقوقهم, وا ليوم ونحن على اعتاب قرن وعهد جديدين لابد ان يستخلص قادة العالم درس التاريخ وعبرة الماضي, حتى تستقل دولة كوسوفو بما يضمنه ميثاق منظمة الامم المتحدة من حق تقرير المصير, اسوة بكل شعوب البلقان من صرب وبوسنيين وكروات وغيرهم. ان الشرعية التي تجلل اليوم جمهورية كوسوفو المستقلة ذات ابعاد عديدة, فهي شرعية الارادة التاريخية التي لم تتزعزع خلال اكثر من ستة قرون, وهي شرعية المقاومة التي لم يخمذ لظاها حتى خلال السنوات 1939 ـ 1945 حين كان الصرب منقسمين الى انصار واعداء لهلتر وكانوا يضعون الكوسوفيين والغجر على نفس قوائم الابادة الى جانب اليهود. وهي شرعية الامم المتحدة التي اقر ميثاقها حق تقرير المصير لكل شعوب العالم, خاصة وان لاشيء يربط بين كوسوفو وصربيا, لا دين ولا لغة ولا جذور ولا تاريخ ولا حتى جغرافيا, فالاقليم له خصوصيات اثنية وجغرافية خالصة منذ فجر التاريخ. هذه دروس حضارية لابد ان يقرأها منظرو حلف الناتو قبل التورط في اعادة رسم خريطة البلقان.