لا أحد يملك اجابة محددة أو قريبة من التحديد, لكننا نعرف على الأقل أن الولايات المتحدة(تعاونها بريطانيا)ثابتة على موقفها .. وهو ان تبقى العقوبات المفروضة على العراق الى الأبد . وفي صدد الموقف الأمريكي هذا نلاحظ ثلاثة أمور: ان موقف واشنطن ليس وقتيا, فقد ارتقى الى مستوى سياسة استراتيجية مستديمة كما يبدو. ان هناك دعما عربيا للموقف الأمريكي تستغله واشنطن ببراعة دبلوماسية كورقة تلوح بها في وجه مجلس الأمن الدولي كلما بدا ان هناك صوتا يرتفع بالمطالبة بالغاء العقوبات. ان واشنطن لا تعارض أية محاولة لتغيير الصيغة الشكلية لقرار العقوبات الأصلي طالما ظل مضمون القرار على حاله. ان أحدث مشهد للمسألة العراقية على صعيد مجلس الأمن الدولي لا يوحي بأن العقوبات المفروضة على العراق على وشك أن ترفع, فأمام المجلس مشروع قرار بريطانيا يحظى بدعم أمريكي ويدعو الى (تعليق) العقوبات مؤقتا لا الغائها نهائيا, ويحوي مشروع القرار من العبارات الشرطية والاستدراكات المقصودة لحد ذاتها ما يجعل من تعليق العقوبات نفسه أمرا مستحيل التطبيق, بل ويجعل مضمون مشروع القرار المطر وح متطابقا مع مضمون قرار العقوبات الأصلي الذي اتخذ عام 1990. وليس معنى هذا انه لا يوجد متعاطفون مع القضية العراقية داخل المجلس, فعلى العكس من ذلك تماما هناك ثلاث قوى كبرى من بين الدول الاعضاء الخمس دائمة العضوية وصاحبة امتياز (الفيتو) تساند العراق, لكن الموقف الجماعي لهذه الدول ــ فرنسا والصين وروسيا ــ ضعيف, لماذا؟ ببساطة, لأن موقفها ينقصه الدعم العربي. هنا نأتي الى تشابه ما بين القضية العراقية والقضية الفلسطينية, فبينما تبدي دول الاتحاد الأوروبي حرصا على ولوج معمعة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي لصالح الجانب الفلسطيني فانها تواجه بصد عنيف من جانب الولايات المتحدة واسرائيل, وكلما اعتزمت مجموعة الدول الأوروبية اتخاذ موقف حازم لمناوءة الصد الأمريكي الاسرائيلي كلما ووجهت بخذلان فلسطيني وعربي, فلا تستطيع أن تمضي الى الأمام دون أن تجلب لنفسها حرجا هي في غنى عنه. ان مشروع القرار البريطاني المطروح أمام مجلس الأمن بشأن (تعليق) العقوبات المفروضة على العراق سبقه مشروع قرار فرنسي تدعمه الصين وروسيا يدعو الى الغاء فوري للعقوبات مع انشاء آلية دولية للمراقبة والرصد بغرض التأكد من ان السلطات العراقية لن تستخدم مستقبلا العائدات المالية من صادرات النفط لبناء ترسانة أسلحة غير دفاعية, بكلمات أخرى فان مشروع القرار يدعو الى اعادة تأهيل العراق اقتصاديا برفع الحظر النفطي عنه بصورة كاملة مع عدم اعادة تأهيله عسكريا الى درجة تهديد غيره من الدول. ورغم ان مشروع القرار الفرنسي يقوم على حرمان العراق جزئيا من سيادته الوطنية على موارده كدولة مستقلة, الا انه قياسا الى الظروف الدولية غير المواتية, يعتبر معقولا, ومع ذلك ووجه مشروع القرار بمعارضة أمريكية وبريطانية في غاية الشراسة مما أدى الى وأده. ماذا تريد الولايات المتحدة إذن؟ ان من الثابت والواضح انها تريد ابقاء الحصار على العراق الى أجل غير مسمى, وهذا هو المغزى الحقيقي لصيغة (النفط مقابل الغذاء) التي تهدف الى ابقاء الشعب العراقي في حالة بين الحياة والموت. أما على صعيد الواقع نفسه فإن الشعب العراقي بكل أجياله يعاني حالة بين الموت العاجل والموت البطيء لمدى تسع سنوات حتى الآن. واذا كان الشعب العراقي يعاني محنة انسانية فان الضمير العربي يعاني محنة أخلاقية.