مرة اخرى تثار بعض المشكلات بين دول الخليج بسبب ايران. فيما ايران لا تساعد هذه الدول على اتخاذ موقف ايجابي موحد من العلاقات الناشئة . ويصح القول بان ايران لم تتغير منذ انفتاح دول الخليج عليها والتي توجت بالزيارات المتتابعة لعدد من كبار مسؤوليها. اقصى شيء استطاعه المسؤولون الايرانيون هو الادلاء ببعض التصريحات الايجابية والمطمئنة. وحتى هذه التصريحات لا تحمل جديداً بالنظر الى انها اصبحت اللغة السائدة منذ مقدم الرئيس خاتمي للسلطة وليس منذ الانفتاح الخليجي. ومن هنا يصبح صحيحا تماما, ان دول الخليج هي التي تغيرت وليس ايران. مع انه من المطلوب ان يكون التغير متبادلا, وليس من جانب واحد؟ مطلوب ان تخطو طهران بعض خطوات تؤكد فيها رغبتها بالتقدم للامام. لكنها لا تفعل. ما الذي يمنع تطوير العلاقات الخليجية الايرانية حقيقة الى ما يشتهي الطرفان؟ هناك جملة من العوائق ربما كان اهمها واخطرها موضوع الجزر الاماراتية الثلاث التي تحتلها ايران عند مدخل الخليج العربي. وقضية الجزر ليس قضية حديثة. انها حلقة مهمة في العلاقات العربية الايرانية ترجع الى العام 1887 تاريخ احتلال جزيرة سيري العربية ثم 1928 تاريخ احتلال جزيرة هنجام مرورا بالمحاولات الايرانية لاحتلال جزر طنب الكبرى والصغرى وابو موسى في اعوام 1904 و 1923 و1928 و 1932 و 1951 واخيرا تمكنها من ذلك عام 1971 عشية انسحاب بريطانيا من المنطقة. وفيما يتعلق بابو موسى يوجد اتفاق كانت قد وقعته امارة الشارقة مع طهران باشراف بريطانيا, عام ,71 يقضي بمرابطة قوات ايرانية في الجانب الشرقي من الجزيرة. لكن ايران اخلت بهذه الاتفاقية عام ,1992 وقامت باحتلال ابو موسى وطردت سكانها العرب. ثم توالت الانتهاكات. فضمت الجزيرة الى ما أسمته بمحافظة الجزر الايرانية! واقامت عليها منشآت عسكرية, من بينها قواعد للصواريخ, واخيرا اتخذتها قاعدة للمناورات التي تجريها في الخليج العربي. وبهذا المعنى فقد اكملت الحكومة الحالية ما فعلته الاسرة الشاهنشاهية ومن قبلها القاجارية. لقد ولدت السياسة الايرانية المستمرة تجاه الجزر العربية مجموعة من المعطيات بالنسبة لدولة الامارات ودول الخليج العربية الاخرى. اولها: ان ايران وبصرف النظر عن نوعية الحكم الموجود فيها, تتبع سياسات ثابتة تجاه الدول العربية المطلة على الخليج. هذه السياسات تتلخص في النظرة الاستعلائية تجاه هذه الدول, وممارسة اسلوب التوسع على حسابها في الارض والمياه. ثانيها: ان تطوير العلاقات الخليجية الايرانية لا بد ان يبدأ بتغيير هذه العقلية مرورا بحل مشكلة الجزر الاماراتية حلا سلمياً وعادلا يرضي الطرفين. وبالمقابل, وحسبما ابدت ذلك, فإن دول الخليج العربية مستعدة للتسليم بالمصالح الحيوية لايران في الخليج, كونها قوة اقليمية لها مخاوفها وشواغلها الامنية. وهي مستعدة كذلك للتعاون في المجالات كافة, لاسيما الاقتصادية منها, في اطار من التدرج. وهنا يبرز السؤال: ما الذي يمنع ايران من السير في هذا الطريق؟ ولماذا تصر على ابقاء مشكلة الجزر كعقبة كأداء دون فتح صفحة جديدة في العلاقات مع جيرانها العرب؟ اعتقد ان التاريخ الايراني مثقل بأفكار وتقاليد اسطورية عن الهيمنة والقوة والعظمة, وليس عبثا ان احداً من الايرانيين الحاليين او القدامى لم يجرؤ على الاقتراب من حل هذه المشكلة. بيد ان ذلك اذا كان عاملا سلبيا ومعطلا في الماضي, فليس من المعقول ان يستمر كذلك في الحاضر. خاصة ان ليس لايران من مجال للانفتاح وحل ضائقتها الاقتصادية والسياسية سوى بالتوجه غربا نحو دول الخليج. فإلى الشرق توجد القبائل الافغانية الشرسة, والى الشمال جمهوريات آسيا الوسطى حيث النفوذ والعمق الروسي التقليدي, والى الجنوب مياه المحيط الهندي. وفي اي من هذه الاتجاهات لن تستطيع ايران ان تحرز تقدما او تمارس سياسة حقيقية. وطوال التاريخ كانت المنطقة الوحيدة التي نجح فيها الايرانيون هي المشرق العربي, بينما تعذر عليه ذلك في باقي المناطق. وليس صدفة ان الدول القوية في تاريخ ايران (الدولة الصفوية مثلا) انهارت بالذات على ايدي القبائل القادمة من الشرق سواء من افغانستان او الهند او منغوليا. ولذلك فان السؤال هو: هل ستتمكن ايران في العصر الحديث من تحقيق اختراق حقيقي وتاريخي مع العرب, من خلال حل مشكلة الجزر الثلاث؟ هذا ما لم تظهر له حتى الآن للاسف اية مؤشرات, رغم الانفتاح الخليجي والتقارب المحموم.