ينهي اليوم اولادنا وبناتنا, واخواننا واخواتنا من طلاب وطالبات الثانوية العامة الامتحانات, وهم عادة لا يكفيهم ان يتنفسوا الصعداء بعد عناء(ما معنى الصعداء يا شباب؟), بل يزيدون فيظهرون حنقهم على ما مر عليهم من اوقات عصيبة وصعبة قضوها في المذاكرة والقلق واوامر الآباء والمدرسين , واذا كانت الاسئلة فيها صعوبة فحنقهم يتضخم ليصبح ثورة, ربما نرى بعض آثارها ظهر اليوم. هذه الآثار تظهر في الساحات الداخلية والخارجية للمدارس, حيث تتطاير قصاصات ورق الاسئلة وورق الكتب التي ينتقم منها البعض بالتمزيق والتنكيل من الغلاف إلى الغلاف, ومن كانت لديه ثورة عارمة فيزيد على الكتب تكسير قناني المشروبات الغازية التي تحول الشارع امام المدرسة إلى معرض مجوهرات وكريستال يلمع تحت الشمس, ثم هناك استعراض السيارات واثارة الغبار والتشفيط تعبيرا عن الفرح بانتهاء الكابوس. وهكذا يمكنني ان انصح القراء اليوم بتجنب المرور قرب المدارس التي يؤدي فيها الطلبة الامتحانات, فمن لم تصبه شظية زجاج فان دولابا من دواليب سيارته معرض للانفجار, ثم هناك الصخب والغبار الذي يكفي للاصابة بضيق التنفس, علاوة على احتمال التعرض إلى خطر الاصطدام ان كان سائقا أو الدهس ان كان راجلا, وغير ذلك من مظاهر عيد الطلبة, الذي في الابتعاد عنه والهروب منه غنيمة وسلامة معا. إلى هذه الدرجة واكثر لم يعد طلابنا, كما كنا زمان, يحتملون الدراسة ويحبونها, ولذلك فافراحهم سوف تمتد لايام مقبلة تعبيرا عن نهاية الدراسة والامتحانات, ما نتوقع ان نرى زحاما على المراكز التجارية والمقاهي والاسواق ودور السينما وغيرها من مرافق التسلية, يعوض فيها هؤلاء ما فاتهم بسبب الامتحانات وسود لياليها. اكثر من ذلك لم تعد نتيجة الامتحانات تهم اكثريتهم, اذ يتساوى عندهم النجاح والرسوب في حيادية مملة باردة تعلن عن فقدان الدافع والامل والطموح, فتجد اكثر هؤلاء لا يذاكرون ولا يجتهدون, ويأملون في نجاح سهل من وراء اسئلة سهلة بسيطة, ومن يفكر في النجاح لا يفكر في معدل عال من الدرجات اذ يكفيه من العام الدراسي نجاح ما, لذلك فاليوم الذي تكون فيه الاسئلة فيها صعوبة ما, يكثر النواح والعويل والاتهام لواضع الاسئلة بالتعقيد والغموض والاستعراض, مع ان الوزارة, سواء في المناهج أو في اسئلة الامتحانات تسهل عليهم إلى الدرجة التي يصبح فيها النجاح لاي طالب ممتحن تحصيل حاصل, لا تحصيل علم ومعرفة. وعلى ذلك كانت اسئلة هذا العام, للعلمي والادبي على السواء, اسهل مما تصورها الطلبة انفسهم, باستثناء شكاوى من امتحانات قليلة كان اخرها الاحياء للعلمي وقبلها المنطق للادبي على سبيل المثال, وفيما عدا ذلك فالامتحانات كما هو واضح صممت لكي ينجح هؤلاء, وهي سياسة مقبولة من الوزارة, فعلى الاقل سوف تؤدي إلى التخلص منهم من البقاء عام دراسي آخر, لكي يدخل منهم من يدخل الجامعة ويجرب حياة جديدة ومناهج اخرى, تفتح له ابواب المستقبل يبحر فيه حسب طاقته وقراره وقدراته, وامكانياته على الملاحة والسباحة منفردا, فقد ادى الاباء ما عليهم وادت الوزارة ما عليها, وآن للعيال التي كبرت ان تحلق لوحدها. لذلك, فقد وقفنا في (البيان) كعادتنا كل عام, مع اولادنا الطلاب والطالبات وقفة تأييد ودعم وتشجيع, سواء بنشر اسئلة نموذجية قبل الامتحانات بفترة لكي تكون عونا لهم, ام بمتابعتهم يوما بيوم خلال الامتحانات عن طريق عكس آرائهم وشكاواهم ووجهات نظرهم, تقديرا لما يقومون به وما يؤدونه من واجب واحتراما لهذه الشريحة من مجتمعنا التي سلطنا عليها الضوء كثيرا لكي نشعرها بأهميتها وبوقوفنا معها, واملنا في كل ذلك اعادة الاعتبار للمدرسة وللامتحانات وللطالب نفسه ولآماله في مستقبل افضل, يبدو انه لم يعد يعمل له حسابا.