المشاركة السياسية عموما والمشاركة السياسية للمرأة بصفة خاصة موضوع كثر تناوله والجدل حوله مؤخرا على نحو غير مسبوق, من قبل الأوساط الأكاديمية والاعلامية في دول الخليج العربي, فما هي دواعي وخلفيات ذلك الطرح؟ ودون الحاجة للدخول في تفاصيل كثيرة ذات صلة بموضوع المشاركة السياسية وبالتطورات السياسية الدولية والعربية والخليجية الدافعة بهذا الاتجاه, يمكننا تحديد أهم الأسباب المثيرة لذلك الاهتمام بموضوع المشاركة السياسية والمشاركة السياسية للمرأة على النحو التالي: أولاً: الضغوط الخارجية والأمريكية بالتحديد على البلاد العربية باتجاه الخيار الديمقراطي, وان معظم الطرح الدائر حاليا في الأوساط العربية هو في أحد جوانبه صدى وامتداد لذلك الطرح الديمقراطي الغربي. ثانيا: حدوث مجموعة من التحولات السياسية العربية على مستوى تعدد التجارب الديمقراطية واستمرارها, وحدوث تغييرات على مستوى النخب السياسية في دول الخليج بوصول جيل جديد من النخب السياسية أكثر ميلا لاحداث تغييرات بهذا الاتجاه, ومن ثم تعظيم احتمالات توسيع دائرة المشاركة السياسية في دول الخليج العربي, وان التجربة البرلمانية الكويتية رغم ما يرد عليها من تحفظات تعد تجربة رائدة على المستوى العربي. ثالثا: تأخر المشاركة السياسية للمرأة الكويتية رغم رسوخ الممارسة البرلمانية الكويتية, ورغم كل ما تتمتع به المرأة الكويتية من حقوق وحريات مقارنة بوضع المرأة في العديد من دول الخليج الأخرى. رابعا: حصول المرأة العمانية على حقها في المشاركة السياسية, الأمر الذي دفع بالمرأة في منطقة الخليج للمطالبة بهذا الحق أسوة بالرجل أو بمثيلاتها من النساء العربيات. خامسا: اعطاء المرأة القطرية حقها في الترشيح والانتخاب, وان كان ذلك على المستوى البلدي, وايا كانت نتائج تلك التجربة الا انها تعد نقطة تحول اساسية في وضع المرأة القطرية والمرأة الخليجية بصفة عامة, وصحيح ان تجربة المرأة القطرية سابقة الذكر فيها قدر من القفز على معطيات الواقع الاجتماعي القطري بصفة عامة, وواقع المرأة القطرية بصفة خاصة, اذ تواجه المرأة القطرية العديد من القيود الاجتماعية المقيدة لحركتها ودورها الفاعل, الا ان تلك التجربة ربما تكون بمثابة نقطة التحول الأساسية لتغيير بعض معطيات ذلك الواقع الاجتماعي لصالح المرأة القطرية والخليجية بصفة عامة. سادسا: لقد حدث قدر من الانفراج النسبي في وضع المرأة في المملكة العربية السعودية, اذ تم مؤخرا اتخاذ بعض الاجراءات لصالح المرأة كالسماح لها بقيادة السيارة ضمن شروط معينة, صحيح ان تلك المسألة ربما تبدو بعيدة نسبيا عن موضوع المشاركة السياسية ولكنها في النهاية متصلة بموضوع الحرية الاجتماعية للمرأة التي هي المعبر الأساسي لحصولها على حريتها وحقوقها السياسية. سابعا: فيما يتعلق بالمشاركة السياسية للمرأة في دولة الامارات, فان ذلك الحق الذي بدأت المرأة الاماراتية بالمطالبة به بشكل صريح وقوي بعد تصريح سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك قرينة رئيس الدولة ورئيسة الاتحاد النسائي بضرورة المشاركة السياسية للمرأة, انما يأتي تطورا طبيعيا لكل ما حققته المرأة الاماراتية من انجاز سواء على المستوى التعليمي أو العملي أو المجتمعي بصفة عامة, وما حصولها على حق المشاركة السياسية الا تتويج لمشاركتها الفاعلة في كل المجالات المجتمعية, فقد كان للمرأة الاماراتية حضورها ومكانتها الاجتماعية والأدبية والسياسية قبل تأسيس الدولة الاتحادية وقبل حصولها على حقها في التعليم والعمل, فكيف لها أن تغيب اليوم بعد كل ما توفر لها من رعاية اجتماعية وعلمية وثقافية بل وسياسية؟ اذ لقيت المرأة الاماراتية من الدعم والمساندة المادية والمعنوية ومن الفرص لتحقيق الذات مثل ما توفر للرجل. توظيف مغلوط ومن الطبيعي في ظل هذه الظروف والتحولات السياسية الخليجية والعربية والدولية, وفي زمن تعاظمت فيه مساهمة المرأة وفاعليتها في العمل السياسي, ان ترتفع الأصوات المنادية بضرورة المشاركة السياسية والتأكيد على حق المرأة العربية المسلمة في العمل السياسي, خاصة وان التقاليد العربية والقيم الاسلامية متفقة مع ذلك, وما المعارضة التي تواجهها المرأة العربية المسلمة في هذا المجال الا محاولة من الرجل لتوظيف الثقافة العربية الاسلامية توظيفا مغلوطا ومتعسفا ضد المرأة وضد مساهمتها الفاعلة في الحياة العامة. ورغم كل ما قيل وما يقال عن التقاليد العربية باعتبارها تقاليد مقيدة للمرأة ولمساهمتها الفاعلة في الحياة الاجتماعية, فإن حقيقة تلك التقاليد مغايرة لذلك الى حد بعيد فالحديث عن وأد البنات كعادة عربية لو انها كانت ممارسة عامة لما بقيت امرأة ولا بقيت حياة على ارض الجزيرة العربية, ولو ان حياة تلك المجتمعات معوقة للمرأة او معطلة لقدراتها لما برزت نساء رائدات في مجال الادب والشعر وسدادة الرأي كالخنساء وغيرها من النساء العربيات الرائدات, وما عمل السيدة خديجة بالتجارة وعرضها على النبي صلوات الله وسلامه عليه للعمل على تجارتها ثم عرضها الزواج منه الا دليل واضح على ثقة المرأة بذاتها وعلى قدرتها على المبادرة حتى في اكثر المسائل حساسية كمسألة الارتباط بالرجل, وهي مسألة ربما تتردد فيها المرأة بصفة عامة حتى في اكثر المجتمعات تحررا. وان مشاركة المرأة العربية المسلمة في اهم الاحداث السياسية انما هي دليل واضح على ما كانت تتمتع به من مكانه في ظل المجتمع العربي المسلم فعند بدء النبوة ونزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم لم يجد ملتجأ له غير خديجة التي استشارها فاحسنت التصرف وصدقته واعانته, وكان لها ولاسماء بنت ابي بكر وعائشة وغيرهن من النساء العربيات دور واضح في نشر الدعوة وارساء دعائمها, كما شاركت المرأة العربية جنبا الى جنب مع الرجل في وفد المبايعة (اي الوفد الذي بايع الرسول على نصرته حين جاءهم مهاجرا برسالته ومن صدقه الى المدينة) كما كان لها دورها في الحروب والمعارك الاسلامية مساعدة للجند ومضمدة لجراحهم ودافعة ومحركة لعزائمهم, فأين هي القيم والممارسات العربية والاسلامية المقيدة للمرأة؟ واذا عدنا الى ماهو اكثر دلالة من ذلك كله, الى النص القرآني الذي ساوى بين الرجل والمرأة في العقيدة والعبادة والحقوق الدنيوية الدينية, ذلك النص الذي اشار الى حكمة وحنكة المرأة السياسية في قصة سيدنا سليمان, وكيف تعاملت ملكة سبأ مع رسالته الداعية لها بالايمان, وكيف اختارت برجاحة عقلها وقوة بصيرتها واتزانها ان تختار طريق الحوار معه بدلا من الصراع, رغم تأكيد قومها لها بمساندتهم ان ارادت مواجهته وكيف اهتدت الى الايمان بعقلها الحر المتزن القادر على تفنيد الامور حتى عند التعامل مع الخصم, صحيح ان المشيئة الالهية قد وقفت وراء ذلك كله, ولكن من الصحيح ايضا ان القصص القرآني له من الغايات المستمرة التي ينبغي ان يظل مفعولها وان يستمر ولايقف عند حدود ذلك الحدث فبالاشارة الى ملكة سبأ تأكيد على حنكتها والحنكة السياسية للمرأة العربية بصفة عامة, فلماذا يحاول البعض تجريد المرأة العربية من تلك الملكة (ملكة العقل والتفكير والتدبير) ؟ والغريب ان مثل تلك المحاولات لتجريد المرأة مما حباها به الخالق (من ملكة التفكير وحسن التدبير) قد تأتي احيانا من رجال دين, رجال اختصهم الله بالمعرفة وحملهم الامانة والمسؤولية فاذا بهم يحاولون التعامل مع النص القرآني والحديث الشريف والسيرة النبوية بل وسير الصحابة وجملة التاريخ السياسي العربي الاسلامي بانتقائية غريبة, يأخذون من كل ماسبق مايوسع من دائرة حقوقهم وامتيازاتهم غير مدركين انهم بتلك الممارسات انما يتجاوزون المباح الى المكروه وربما المحظور والمحرم احيانا, وفي المقابل يحاولون توظيف ذلك كله ايضا (من نص قرآني وسيرة نبوية وحديث شريف) لتضييق الخناق على المرأة واغتصاب حقوقها, وضمن تلك المحاولات التعصبية ضد المرأة التي يوظف فيها الدين والتراث العربي الاسلامي توظيفا خاطئا وتعسفيا, تأتي معارضة الرجل لمشاركة المرأة السياسية ولدورها الفاعل على صعيد الحياة الاجتماعية بصفة عامة. واذا كنا من خلال تلك الاسطر قد وضعنا ايدينا على حقيقة موقف الاسلام والتراث العربي من قضية مشاركة المرأة وتفعيل دورها المجتمعي, والاسباب الحقيقية وراء معارضة فئة من الرجال لهذا الدور فكيف لنا ان نتجاوز ذلك كله للدفع بمسيرة العمل النسائي بصفة عامة ولفتح الطريق امام المرأة الخليجية والعربية المسلمة للمشاركة في عملية صنع القرار؟ تلك قضية اخرى سيفرد لها النقاش في مقال اخر. * رئيسة قسم العلوم السياسية جامعة الامارات