الشكر لله وللخواجا ساويرس ملك التليفون المحمول في بر مصر, وأصل الحكاية ان العبد لله كان قد نشر عدة سطور تحمل شكواي المرة ضد شركة التليفون المحمول , خدمة سيئة وفواتير نار, لاذوق ولا رحمة, والتعامل بين الشركة وضحاياها يجري بأسلوب (حسنة وانا سيدك) , لدرجة انني تصورت في وقت من الاوقات ان شركة التليفون المحمول دخلت مصر مع جيش نابليون بونابرت, وربما غزت مصر بعد كسرة عرابي في التل الكبير, ولذلك فهي تفرض شروطها واسلوبها على اساس القاعدة المعروفة, ويل للمهزوم, كان هذا هو تصوري في البداية, ولكني اكتشفت بعد ايام قليلة من اطلاق صرختي, كم كنت مخطئا في تصوري هذا, وكم هي طيبة ورقيقة شركة التليفون المحمول, فلم تكد تمضي ايام قليلة على اطلاق صرختي حتى تلقيت رسالة زرقاء اللون, المظروف من ورق فاخر للغاية, وداخل المظروف دعوة كريمة مكونة من غلاف من ورق نادر وطبقتين من الورق الشفاف, والدعوة الكريمة تحمل اسم نجيب ساويرس رئيس مجلس الادارة وعثمان سلطان المدير العام للشركة, والدعوة موجهة إلى الفقير لله تعالى محمود السعدني لحضور حفل كوكتيل بفندق النيل هيلتون, وذلك للاحتفال بالانجازات العظيمة للشركة خلال الفترة الماضية, وللمساهمة في بداية المرحلة الجديدة! واقطع ذراعي من اللغلوغ اذا كانت تكاليف البطاقة والمظروف اقل من 25 جنيها, ناهيك عن تكاليف الكوكتيل وما يقدمه لمئات المدعوين من ارقى المشروبات العالمية والمزات من كافيار والسمك المدخن وشرائح لحم النعام ولحم الطاووس ونسائر لحم الغزال, وكل التكاليف بالطبع على حساب ضحايا الشركة من العملاء السذج الذين اشتروا الترام, ولكن لا شىء يهم فالحفل الانيق للكوكتيل سيمسح كل الجراح ويجفف كل الدموع, والحق اقول ان العبدلله كان يتمنى حضور حفل الكوكتيل التاريخي, لولا ان العبدلله لسوء الحظ لا يحضر الا حفلات الطواجن وورق اللحمة والكوارع المسلوقة والكرشة المطبوخة بطريقة الشطيطة ولا بأس من المحشي باذنجان بنوعيه الاسود والابيض, ولكن يبدو ان عصر التليفون المحمول لا يعرف شيئا عن هذه الاصناف البلدي, والمفروض ان حامل المحمول لابد وان يكون اخر (الفرنكة) ولابد لسانه يرطن بالانجليزي وبالفرنساوي وبالماتوسياني ايضا, اما اذا كان المتعامل لا يعرف شيئا من هذه اللغات, فليس امام الشركة الا رفع شعار (ايش اخششك يا صعلوك بين الملوك) . وأيا كان حال شركة المحمول وحفلات المأكول, فالواجب يفرض علينا اعادة النظر في نظام الخصخصة بالمصري أو الخَصْوصَة كما يقول اخواننا المغاربة, وينبغي ان يكون هناك شرط يلتزم به الذين يشترون المشاريع الحكومية الكبرى, شرط يلزم هؤلاء المشترين بالاداء الجيد ومراعاة مصالح المستهلكين, ويجب تحديد مدة لوضع الشركة تحت الاختبار, فاذا ثبت فساد الادارة أو فشلها يجري سحب الامتياز على الفور وعرضه مرة اخرى في السوق, أما بيع الشركة ثم ترك المالك الجديد يفعل مايشاء ويصنع مايريد, فهو امر لايتفق مع الخصخصة ولا مع العمعمة وما حدث لشركة التليفون المحمول هو شهادة للقطاع الحكومي بأنه أكفأ في الادارة وأكثر حرصا على مصالح المشتركين, طبعا كانت هناك هفوات واخطاء ولكن اذا قيست هذه الهفوات والاخطاء بالكوارث التي حدثت في عهد الشركة الخاصة فالواجب يفرض علينا ان نرفع القبعات والطواقي احتراما للادارة الحكومية وشكرا لها. وياعم نجيب ساويرس رئيس مجلس الادارة وياعم سلطان عثمان المدير العام العبدلله باعتباره من حملة المحمول يستأذن حضراتكم بخصخصة تليفون المحمول, وعرضه في السوق كقطعة حديد خردة تصلح ملاعق وسكاكين وقطع لصيانة كعوب الاحذية. وارجو اعتبار هذ السطور اعلانا عن المزاد العلني لبيع قطعة الحديد المحمول, ولاعزاء للمشتركين. اما العم ساويرس فشكرا له.. شكرا له لأنه بهذه الدعوة الكريمة للاحتفال (بانجازات) الشركة في الماضي والاحتفال (بانجازات) الشركة في المستقبل فهي نكتة جديدة وجميلة ايضا, فشكرا له لانه اضحكنا! طربوش المفتش زمان ايام التلمذة كان اغلب مفتشي وزارة المعارف من صنف الانجليز وباستثناء اللغة العربية كانت الاغلبية العظمى من المفتشين انجليزا شعورهم صفراء وعيونهم زرقاء ووجوههم حمراء كالبطيخ الشليان, ولكن نظرا لضيق ذات الموارد كان عددهم لايكفي لتغطية كل مدارس القطر المصري, فلم تكن وزارة المعارف قد عرفت نظام المناطق بعد.. ولذلك كان السادة المفتشون يلجأون الى حيلة لجعل المدارس في حالة ترقب ولجعل المدرسين في حالة استنفار, كان المفتش يقوم بارسال طربوشه الى مدرسة الجيزة مثلا ليكون في انتظاره عند زيارته المقبلة. لان المفتش الانجليزي كان يرتدي البرنيطة في الحياة العادية ولكن يرتدي الطربوش اثناء قيامه بالتفتيش على المدارس, وكانت المدارس التي يصلها الطربوش تبقى في حالة استنفار منذ وصول الطربوش وتبقى على هذا الوضع ربما الى نهاية العام الدراسي. ولما اكتشف المفتشون الانجليز انها طريقة فعالة لضبط ايقاع العمل في المدارس فقد لجأ بعض المفتشين إلى شراء كمية من الطرابيش يوزعها على جميع المدارس المكلف بالتفتيش عليها طربوش لمدرسة بورسعيد, وطربوش لمدرسة المنصورة, وطربوش لمدرسة دمنهور, وطربوش لمدرسة اسيوط بينما المفتش يكون يقضي اجازة سعيدة في انجلترا, ولكن بمرور الوقت اكتشف المدرسون الخدعة فصاروا يستقبلون الطربوش باطمئنان الى ان المفتش لن يحضر للمدرسة ولن يقوم بالتفتيش في اي وقت, وكان من نتيجة ذلك ان المدرسين اصابهم الكسل في ظل سياسة الطربوش, ولكن الطربوش ظل معمولا به حتى تم تمصير التعليم الذي لم يكتمل الا بعد قيام ثورة يوليو. تذكرت حكاية الطربوش هذه بمناسبة الاتفاقية التي وقعتها روسيا مع حلف الاطلسي بالسماح لحوالي سبعة الاف جندي روسي في كوسوفو. ما اشبه هؤلاء الجنود الروس بطربوش المفتش الانجليزي. وجوده مثل عدمه, بل اقول ان عدمه افضل لقد نجح النظام العالمي الجديد في وضع روسيا في المكان المناسب, مجرد خيال مآته يحرس الحقول من الغربان, ولكن اسراب الغربان بالتجربة ادركت ان خيال المآتة مجرد خشبة ميتة عليها ملابس رثة, ويمكن ممارسة كل الفعاليات في الحقول بوجود هذا الشبح وفي حراسته. والان على المتعاملين مع النظام العالمي الجديد ان يدركوا انه لا عاصم اليوم من بطش امريكا الا بتفتيح العين وتفتيح المخ والوقوف في الصف في حالة انتباه وياطربوش روسيا ربنا يجعل بيننا وبينك بحور دونها بحور, على رأي عمنا المتنبي!