في خطاب ألقاه في الخرطوم حذر العقيد القذافي من التحرك الاسرائيلي الامريكي المشترك داخل القارة الافريقية مشيرا بصفة خاصة الى منطقة البحيرات العظمى في وسط افريقيا وما يجري فيها من اقتتال تتورط فيه ست دول افريقية متجاورة . هذا التحذير يصلح لان يكون تدشينا رمزيا لقيام جبهة افريقية موحدة للتعامل مع السيطرة الامريكية الاسرائيلية في القارة. ان افريقيا اليوم ليست افريقيا الستينات حين كان كوامي نكروما يتناغم مع جمال عبدالناصر فيتردد صدى تناغمهما النضالي في ارجاء القارة. فالحال قد تبدل منذ منتصف السبعينات فبدأ عد تنازلي عصف ولا يزال يعصف حتى اليوم بالبنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, ويكتشف الناس الآن ان انطواء صفحة الاستعمار الاوروبي لم يكن إلا تمهيدا لاستعمار آخر غير مرئي يقوده ائتلاف امريكي اسرائيلي. على نحو درامي انفضح الامر في ازمة الكونغو الدموية ابتداء من عام 1997. بتمويل وتجهيز امريكي انطلقت حملة عسكرية قوامها مقاتلون كونغوليون من قواعد داخل اوغندا ورواندا المجاورتين للزحف غربا صوب العاصمة الكونغولية كنشاسا لاسقاط نظام الجنرال موبوتو سيسيكو, كان موبوتو كما يعرف الجميع دكتاتورا فاسداً, وكان الهدف المعلن للحملة ــ التي رافقت مسارها حملة دعائية امريكية بحجم العالم ــ إحلال الديمقراطية والاستقرار المعيشي للشعب الكونغولي. ولم تنكشف الاجندة الخفية للولايات المتحدة إلا بعد انهيار نظام موبوتو. فقد اشتعل خلاف بين واشنطن والحاكم الجديد, رولان كابيلا, الذي تبنته ووضعته على رأس الحملة المنطلقة من اوغندا ورواندا وبمساعدتهما. باسقاط موبوتو كانت واشنطن تريد احلال حاكم عميل يقوم تحت رعايتها بتصفية الشركات الفرنسية والبلجيكية العاملة في تعدين اليورانيوم والذهب في الكونغو لتحل محلها شركات أمريكية, لكن كابيلا فاجأ واشنطن بأنه زعيم وطني استقلالي النزعة لا يرتضي لنفسه دور عميل.من هنا دخلت الكونغو في مأساة دموية جديدة. فالاقتتال الذي نراه الآن على أرضها نشأ من تدمير انتقامي أمريكي. فقد حرضت واشنطن نظامي أوغندا ورواندا هذه المرة لتجريد حملة عسكرية أخرى لاسقاط الحليف السابق رولان كابيلا. وما ان دخلت القوات الأوغندية والرواندية أرض الكونغو حتى دخلت أربع دول افريقية أخرى مجاورة الحرب.. وهي أنجولا وزيمبابوي وزامبيا وناميبيا إلى جانب القوات الكونغولية. وهكذا اشتعلت منطقة البحيرات العظمى من أقصاها لاقصاها بسبب التدخل الأمريكي في افريقيا. ومع تورط افريقيا في الاقتتال, وبالتالي حتمية المزيد من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.. ومع موات منظمة الوحدة الافريقية, تنشأ حاجة ماسة إلى جبهة من قوى افريقية متجانسة لتولي دور القيادة بغرض اطفاء الحرائق أولا, والتصدي للسيطرة الأمريكية المدعومة اسرائيليا ثانيا. فالاسرائيليون يلعبون دور التدريب العسكري للدول المتقاتلة والنشاط الاستخباري. إن ليبيا القذافي تستطيع أن تلعب دور الدولة المحورية من أجل خلق هذه الجبهة الافريقية, الفرصة سانحة تاريخيا.. والدور يبحث عن صاحب. لقد أطلق العقيد القذافي النداء الاستهلالي في الخرطوم. وهذه يمكن ان تكون نقطة انطلاق لتكوين نواة للجبهة تشمل السودان وجمهورية جنوب افريقيا والكونغو وزيمبابوي وأثيوبيا كبداية.