الخلاف الذي نشب داخل مجلس التعاون الخليجي, بين دولة الامارات, والمملكة العربية السعودية, حول الموقف من العلاقة مع ايران في ضوء استمرار احتلالها للجزر الخليجية الثلاث أبوموسى, وطنب الكبرى, وطنب الصغرى, نظر اليه البعض , وناقشه, من زاوية تأثيره على العلاقات بين دول مجلس التعاون, وخطره على وحدة المجلس. لكنني اتناوله من زاوية, شغلتني, وتشغلني باستمرار, ولن أمل من التنبيه اليها, والتأكيد عليها. وهي العلاقة بين المصلحة القومية, و المصلحة القطرية. وأيهما تسبق الاخرى, أو توظف لخدمتها؟ وهل يمكن ان تكون مراعاة المصلحة القومية, وتقديمها, ضارة بالمصلحة القطرية؟ بداية أسجل حرصي على وحدة مجلس التعاون الخليجي, ونموه وتطوره. وحرصي على كل وحدة عربية, بين دولتين أو أكثر, أو على نطاق اقليمي, أو نطاق عربي شامل. طالما كانت هذه الوحدة, أو الوحدات, غايتها تقوية موقف العرب, وموقعهم على المستوى الاقليمي والدولي. وهدفها حماية السيادات العربية, والأرض العربية من اي انتهاك. وتاليا, أسجل ايضا, حرصي على تطور العلاقات العربية مع الجمهورية الاسلامية الايرانية, على قاعدة التكافؤ, والاحترام المتبادل, الذي يليق بقاسم العقيدة المشتركة بيننا, وبالتراث المشترك الذي جمعنا على ضفاف الخليج قرونا من الزمان. ولكن النظر الى هذه العلاقات, يجب ان يتم وفق مقياس المصلحة القومية وشروطها, وليس وفق مقياس خدمة هذا القطر أو ذاك, أو على حساب هذا القطر أو ذاك. فإيران نفسها, وهي تتوجه لتطوير علاقاتها العربية, وفي حركتها الدولية ايضا, تنطلق من حرصها على مصالحها القومية, وتسعى لتعزيز موقعها الاقليمي, وتقوية موقفها تجاه اية مخاطر خارجية قد تهددها. وحتى اصرارها على الاحتفاظ بالجزر الثلاث, مرجعه نظرة قومية, ومصلحة اقليمية, تغلبت على أية روابط اخرى تتعلق بالوحدة أو الجوار أو التاريخ. قد تكون الجزر مهمة, أو لا تكون. ليس هذا ما نناقشه. ولكنها عنوان لقياس الصداقة, أو الاخوة العربية الايرانية, وقبل ذلك هي عنوان لقياس المصلحة القومية العربية, ومدى التزام الاطراف العربية بها, قبل التزام ايران. اساس القياس, ليس مساحة الجزر, ولا عدد سكانها, ولا حتى اهميتها الاستراتيجية, وانما وحدة النظرة للقضايا العربية, حقوقا وحدودا, وربط العلاقات الاقليمية والدولية على اساس وحدة النظر هذه, وليس على اساس النظرة القطرية الضيقة التي تجعل من ارض عربية تخص هذا القطر دون ذاك, او تنزع عنها جنسيتها, وانتماءها العربي, منذ الازل, لتلبسها ثوبا يحمل اسما مستحدثا لهذا القطر أو ذاك. ليس شرطا ان تحمل الجزر اسما سعوديا, او يمنيا او عمانيا او عراقيا او... الخ حتى تهتم بها هذه الدول او الاقطار, ويكفي ان تحمل الجزر وغيرها من المناطق العربية انتسابها وتاريخها العربي, حتى تكون اهلا لالتزام هذه الدول, وغيرها من الدول العربية بالدفاع عنها, والحفاظ عليها, وتقييم علاقاتها مع الدول الاخرى, في الاقليم او خارجه, على اساس حرية الارض العربية ووحدتها الجغرافية. فاذا كانت الارض العربية غائبة سياسيا, الى حين, بسب ظروف قسرية لا يد للمواطن العربي فيها, فهي قائمة جغرافيا, وتاريخيا وثقافيا, واجتماعيا, وذلك هو الثابت, وهو الابقى من كل اعراض الفرقة السياسية الزائفة والزائلة. ومن منطلق الواجبات التي يرتبها علينا هذا الابقى, اناقش مسألة التزام الاطر السياسية العربية الرسمية الحاكمة تجاه القضايا العربية, مجتمعة, ومنفردة, ولكن كوحدة واحدة. لو كانت الجامعة العربية كيانا حيا, غير غائب, او مغيب عن قضايا امتها لسألناها, وساءلناها عما فعلت لقضية العدوان العسكري والاقتصادي والانساني المستمر على العراق. ولقضية السودان الذي تأكله الحرب الاهلية, ويتهدد جنوبه الانفصال, وقضية الصومال التي اندثرت كدولة, مع انها عضو في الجامعة العربية, والجزائر التي ظلت تنزف من دمها الزكي سنوات طوال على يد التطرف المجنون.. ولا أقول القدس وفلسطين, فتلك قضية القضايا. وعما تفعله لقضية الجزر وتداعياتها, سواء على العلاقات العربية الايرانية, او على العلاقات العربية داخل مجلس التعاون, ولكنها كيان ميت, (والضرب في الميت حرام) كما يقولون, او كما يقول الشاعر العربي: لقد اسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي اما مجلس التعاون الخليجي, فهو مؤسسة اقليمية اكثر انسجاما من الجامعة العربية, وهو يقوم بين دول تقع في اطار جغرافي متصل, يغطي معظم اراضي الجزيرة العربية, ويضم دولا ذات انظمة حكم متشابهة, وله مجالس اقليمية متخصصة في مختلف الشؤون العسكرية والاقتصادية والاعلامية والتربوية, وكثيرا ما يتعامل, او يتم التعامل معه كوحدة سياسية واحدة او متكاملة, وعلى هذا, فان اضعف الايمان, ان ترسم سياسات دولة, وعلاقاتها الخارجية, سواء في محيطها الاقليمي, او الدولي, على اساس المصلحة المشتركة لهذه الدول ووحدة اراضيها, بل المفترض ان يكون مجلس التعاون, كوحدة اقليمية, قد قام على هذا الاساس, ولهذه الغاية, والا فانه يفقد الكثير من مبررات قيامه. ان مشكلة الجزر, التي قد تبدو صغيرة قياسا بالهموم والمخاطر الكبرى التي يتعرض لها وطننا العربي, وقد تبدو بعيدة عن دائرة الصراع الاساسي مع العدو الصهيوني, وقد تبدو مختلفة كون الطرف الآخر الذي يحتلها ينتمي لمعسكر الاصدقاء, لكنها عنوان لكل تلك القضايا, الكبيرة والصغيرة, البعيدة والقريبة, وايا كان طرفها الآخر عدوا او صديقا, بل انها تفتح ملف الوحدة العربية, ومفهومه, سواء كان وحدة اقليمية او قومية, وما هي واجبات وحقوق كل طرف؟ صغيرا كان ام كبيرا, داخل الاطار الوحدوي. ان الاساس هو ان يشعر كل عربي, فردا ام قطرا ام دولة, انه بانتمائه لاطار سياسي اكبر من اطاره القطري انما يجسد حقيقة انتمائه للامة العربية التي تملك ذلك الدور الحضاري والانساني العظيم, بما يعنيه ذلك من مصدر للاعتزاز والفخر, وانه بهذا الانتماء يحس بتعاظم امكانياته وطاقاته, وتعاظم دوره كفرد, وكقطر, في المحيط الاقليمي وعلى المستوى الدولي. وعندما يكون اي قطر عربي جزءا من اطار وحدوي اوسع, وتكون الامة عمقه في التراث والتاريخ, وفي الفكر والعمل, ويكون ماضيه المجيد رصيدا للمستقبل الذي يتطلع اليه, فان ذلك يشكل حصانة عظيمة له, وسياجا منيعا يصد عنه كل عدوان ويعطيه الشعور بالامان وهو يحتمي بالحضن الوحدوي الدافىء واذرعه القوية. كما ان الاطار الوحدوي او الاتحادي يفترض المساواة في الحقوق والواجبات, ولا يعطي ميزة للكبير على الصغير, حتى لو كان متميزا في المساحة او عدد السكان او حجم الثروات التي يملكها, بل ان ذلك يرتب عليه مسؤوليات اكبر تجاه الشقيق الاصغر حتى يعزز الدوافع لديه بالانتماء للاطار الاوسع دون ان يتولد لديه اي احساس بأنه يفقد خصوصيته الوطنية, او انه سيكون في مرتبة ادنى من مراتب الآخرين, او ان مصالحه وحقوقه ستكون عرضة للمساومة عليها لحساب شركائه الآخرين. وفق هذه المعاني, نفهم الوحدة او الاتحاد, ويبقى الاساس هو ان تعلو المصلحة القومية على المصلحة القطرية الضيقة, وان تكون قضية كل قطر هي قضية الامة بكل اقطارها. قيادي فلسطيني