بعد صعود ايهود باراك وسقوط بنيامين نتانياهو في الانتخابات الصهيونية الاخيرة ارتفعت وتيرة الحديث حول عودة الحياة للمفاوضات المتوقعة منذ فبراير 1996 على المسار السوري ـ الاسرائيلي ولم يتوقف الحديث عن انسحاب من جنوب لبنان خلال سنة على الاكثر وهذا الامر كان من اعلانات باراك المستمرة في حملته الانتخابية, وقد اكد هذا التوجه تحرك اولي بدأت ملامحه تظهر في المناطق المعنية وفي تصريحات وتحركات عربية واوروبية وامريكية. واذا كان هذا من الامور المحتملة والمتوقعة بعد السنوات العجاف على هذا المسار التي حكم خلالها نتانياهو ولخص بعض جهده وتوجهاته فيها بقوله: لقد عملنا على خفض مستوى التطلعات العربية بشكل ملحوظ, إلا ان التوقعات ينبغي ألا تكون سمانا لباراك الذي تحدث عن المفاوضات وعن انسحاب في الجولان يتحدث اليوم, وقبيل الانتهاء من تشكيل حكومته عن عدم العودة الى حدود الرابع من يونيو 1967 وعن مناطق برية متاخمة لبحيرة طبريا تمنع سوريا من الوصول الى شواطىء تلك البحيرة وعن اعتراف بالحدود الدولية لعام 1948 وهو امر يشير الى بعض نقاط الخلاف التي حالت اصلا دون توقيع اتفاق مع حكومة اسحق رابين ويتسرب من حزب باراك وفريق عمله ما يشكل بالونات اختبار للممكن والمتوقع في هذا المجال. وباراك الذي شارك مشاركة فعلية في المفاوضات التي جرت على هذا المسار قبل ان تتوقف بعد عملية (بيت ليد) ومجيىء نتانياهو يعرف الموقف السوري ويعرف الملف جيدا, لاسيما ما يتعلق بالجانب الامني منه ويعرف بالمقابل ما تم بعد ذلك في هذا المجال, ومنه سن قانون في الكنيست يفرض عرض موضوع الانسحاب من الجولان او فيه على استفتاء شعبي عام داخل الكيان الصهيوني. وما يطلق هذه الايام من افكار حول امكانية الانسحاب من جزء من الجولان وابقاء جزء آخر تحت الرقابة الدولية لمدة تسعة وتسعين عاما تنسحب منه اسرائيل بعد عشر سنوات ويكون معلوما خلالها ان هذه الارض سورية ويجب ان تعود للسيادة السورية التامة, كل ذلك وسواه من الافكار الصهيونية والامريكية التي تطلق في الفضاء السياسي, يصطدم بعقبة كاداء واحدة على الاقل هي: تصميم سوريا على استعادة الجولان بكامله وانسحاب (اسرائيل) الى حدود الرابع من يونيو, أي ان فيما تطلبه سوريا بتصميم الوصول الى مياه بحيرة طبريا حيث يرسم نهر اليرموك حدودا طبيعية في المجرى, واستعادة منابع نهر بانياس والحمة ومنطقة كغوش الاستراتيجية وهو ما يشكل حدود الرابع من يونيو 1967. في هذا الاطار العام من الاخذ والرد لايبدو ان هناك شيئا جديدا فيما عدا: 1 ـ ربط المسارين السوري واللبناني ربطا محكما ومن ثم الحديث عن تكامل الانسحاب من جنوب لبنان والبقاع الغربي والجولان وعدم الوقوع في منزلقات جزين اولا ومشاريع سابقة رمت الى فصل المسارين السوري واللبناني احدهما عن الآخر وقد توصلت الاوساط السياسية الصهيونية الامريكية والاوروبية الى اقتناع بعدم امكانية الفصل بين المسارين والى ادراك تام بأن تحقيق امن في شمال فلسطين المحتلة, حتى بعد الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان كله متوقف على تقدم المفاوضات حول الجولان والانسحاب منه لان دور سوريا في لبنان وتكامل المسارين ـ وحتى السياستين ـ السوري واللبناني اصبح من المسلمات المعروفة, وما تتضمنه مقترحات كل من الادارة الامريكية واسرائيل, من نقاط رئيسية في اوراق العمل ومن ثم فلا يمكن تعليق اهمية ما على احداث اختراق من نوع ما في هذا المجال فقد سقط الكثير من المخططات والجهود والرغبات عند هذه العتبة بل اصبح يشار الى الاعتراف بالدور السوري في لبنان وطمأنة سورية من هذه الناحية. 2 ـ العودة الى المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها عام 1996 وقد لمح عهد باراك الى القبول بذلك على لسان شلومو بن عامي المرشح لرتبة وزير في الوزارة المقبلة الذي قال في حديث للمشاهد السياسي 30 مايو 1995 ( نحن نقبل بالمعادلة السورية بوجوب بدء المحادثات من حيث انتهت في واي بلانتيشن) وهذه على وجاهتها وسلامتها قضية شائكة فمن الذي يحدد ما الذي تم الاتفاق عليه تماما؟ ـ أهو الجانب الصهيوني, وفي أقواله اضطراب ومناورة وخداع يكذب شيئا ثم يقر به جزئيا, ثم يشكك بالكل انطلاقا من عدم التوصل الى اتفاق نهائي ويعلق كل ما يمكن التوصل اليه على نتائج استفتاء شعبي يجريه حول الموضوع؟ ـ أم هو الجانب السوري الذي اكد اكثر من مرة وبشكل ثابت وقاطع ان ما تم التوصل اليه يصل الى ما يقرب من 80% من الامور موضوع البحث وان ذلك موثق ويوجد ما يبثه في وثائق مودعة لدى الجانب الامريكي راعي المفاوضات وقد وافقه بعض الاسرائيليين على ذلك؟؟ ـ ام هو الجانب الامريكي الذي يحتفظ بمحاضر اجتماعات خاصة به حدد فيها ما تم الاتفاق عليه وما بقي مجال بحث بين الاطراف المعنية؟ والجانب الامريكي لا يمكن ان يقدم كل شيء بل اي شيء لا تريده الحركة الصهيونية لانه اعلن بلسان وزير الخارجية السابق جيمس بيكر, وفي خضم الاحداث الساخنة التي رافقت توقف مفاوضات واي بلانتيشن عام 1996, اعلن تخليه عن وعود, ومجاوزته لمضمون بعض الرسائل المتبادلة مع الجانب الاسرائيلي تتعلق بالمفاوضات وربما كان من قبل الخداع الامريكي ـ الصهيوني التلميح الى ان ارسال جيمس بيكر واداورد جيريجيان اللذين شاركا في المفاوضات التي توقفت, مفاوضات واي بلانتيشن, الى دمشق يحمل دلالات ايجابية. وفي ظل هذه المعطيات يبدو ان العودة الى المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها ستكون موضوع مفاوضات لتحديد النقاط التي توقفت عندها المفاوضات, وبعد انجاز هذه المرحلة ستدخل الامور عنق الزجاجة من جديد اذا تم التمسك بمبدئيات وثوابت لا يأتي عليها الزمن, لاسيما من الجانب العربي. ان التغيير الذي حدث في الكيان الصهيوني يقود الى حركة تغيير جزئية, وينبغي ألا نعلق على ذلك الكثير من الأمال, حتى في المجال السياسي المرحلي لان تاريخ ادء حزب العمل واليسار الذي يتعاون معه او يؤيده يشير الى ان ثبات على السياسة الصهيونية واهدافها مع مرونة في الاداء السياسي تحقق تقدما اكيدا على طريق تلك الاهداف والى استغلال للقوة بقسوة وهمجية شديدتين عندما تحين الفرص الملائمة سياسيا وعسكريا, داخليا وخارجيا ـ لالحاق هزيمة بالروح المعنوية العربية, ومن ثم يتم اجبار السياسة العربية على القبول بما يعرض عليها صهيونيا, وعلينا ألا ننسى على الاطلاق المذابح البشعة التي ارتكبتها اسرائيل بقيادة زعماء حزب العمل وآخرها مذبحة (قانا) . وهذا يجعلنا نشير الى بعض الثوابت التي يشكل التمسك بها مفاصل مهمة ومن ثم نطرح بعض الاسئلة: من الثوابت التي نشير اليها لدى ساسة الكيان الصيهوني: 1 ـ موضوع القدس عاصمة موحدة وابدية لاسرائيل, وهو موضوع اتفاق تام بل مزاد معلن, بين الاحزاب والقوى الصهيونية. 2 ـ موضوع الاستيطان في ما يسمونه (ارض اسرائيل) حيث يقولون انه حق مقدس لهم ونحن نقف اليوم على استمرار للاستيطان وتصاعد في وتائره لاسيما في مناطق حساسة مثل القدس حيث يجرى العمل في مستعمرات : باب العمود ـ جبل ابو غنيم ـ وفي الاحياء والقرى المحيطة, وقد كانت آخر خطوات التهويد والاستيطان في هذه المنطقة عملية توسيع مستوطنة (معاليه ادوميم ـ الخان الاحمر) وضمها الى بلدية القدس ليتم فصل الضفة الى قسمين وتطويق القدس كليا بالمستوطنات الصهيونية. 3 ـ موضوع الاسلحة ذات القوة التدميرية الشاملة التي يملكها الكيان الصهيوني ويقوم بتطويرها وهو ما يهدد امن المنطقة ويزعزع استقرارها من جهة ويشير الى استمرار المشروع الصهيوني في افقه الاستعماري ـ التوسعي ـ العنصري من جهة اخرى. 4 ـ موضوع التحالفات التي يقيمها ذلك الكيان وما تضعه من خطط وما ترسمه من مخططات لاعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية برعاية امريكية, وبما يحقق المصالح المشتركة لاطراف تلك التحالفات وما يشكله ذلك كله من مخاطر على امن المنطقة ومستقبلها. فهل يتطلع القائلون (بسلام) مع الكيان الصهيوني, والداعون الى تطبيع العلاقات معه على أرضية ذلك (السلام) , هل يتطلع أولئك الى ان تتخلى (اسرائيل) عن مشروعها ومطامعها ونزوعها العنصري الكامن في عقيدتها التلمودية!؟ والى أن يتخلى حزب العمل عن الأهداف الصهيونية التي يعلن التمسك بها, وقد أكد باراك هذه الأهداف ومازال يؤكد تمسكه بها شأنه في ذلك شأن الصهاينة الآخرين؟! وهل الموقف من القدس يشكل ثابتا مبدئيا ــ استراتيجيا لدى كل طرف من الأطراف العربية و(اسرائيل) , ومن ثم ألن تكون القدس محور الخلاف الحتمي المستمر؟! أم أن العرب سلموا لإسرائيل بما تدعيه من حقوق لها بالقدس أيضاً؟! وهل الاستيطان سوف يتوقف, ومن ثم توسع المشروع الصهيوني والتهويد سيقفان عند حدود؟! وهل المشروع الصهيوني قد انتهى بمجرد طرح مقولة: ما بعد الصهيونية, وبروز تيار المؤرخين الجدد في الكيان الصهيوني, الذي خلق وسيخلق ــ عند البعض ـ وهما بسياسة جديدة وتوجهات جديدة تؤهل (اسرائيل) لأن تصبح جزءا من جسم المنطقة ينمو معها بسلام في ظل (السلام) , ويجعل العرب يقبلون باطمئنان على (سلام) مع (اسرائيل) متخطين حقوقهم التاريخية, بعد أن يبتلعوا طعم ما بعد الصهيونية الذي يريد أن يحمل الصهيونية بعض الأخطاء ليكرس الدولة والمشروع والتطلعات القادمة برضى العرب وتعاطفهم, بعد أن أنجزت الصهيونية تحقيق الحلم وإقامة الدولة, وبعد أن فرضت على العرب الأمر الواقع الذي أرادت فرضه عليهم؟! ان هذا يطرح بالمقابل اسئلة (الاستراتيجية العربية) وثوابتها وأهدافها, هذا اذا كان هناك استراتيجية عربية, وإذا بقيت هناك ثوابت وأهداف مرعية الاحترام على المستوى القومي العام, حتى فيما يتعلق بالقدس, ولا أتكلم على فلسطين كلها. لا أجد مسوغا يجعلني أتفاءل بإمكانية قيام (سلام) واستقرار مع استمرار الاحتلال الصهيوني لأرض عربية, وهنا لا أتكلم عن الجولان أو جنوب لبنان فقط وإنما أتكلم عن فلسطين وعن الوجود الصهيوني القوي الذي يهدد عمليا كل مشروع نهضوي عربي, وكل مشروع قطري يطمح الى ان يملك قوة وتطلعا قوميا من أي نوع. وأخيرا فإنه في الوقت الذي ترتفع فيه نغمة لقاء عربي, حتى على مستوى ما أصبح يروج على (الدول المجاورة لاسرائيل) , ترتفع معه نغمة (السلام) الذي (انتصر) في الكيان الصهيوني بصعود باراك وسقوط نتانياهو وهي نغمة تم التركيز عليها بعد الإعداد لها, منذ توقيع مذكرة واي بلانتيشن في اطار اتفاق أوسلو, وتوقف التطبيق العملي لذلك الاتفاق, وكأن الاحتلال الصهيوني لأرض العرب وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه, وقهر العرب وتهديد أمنهم باستمرار, كأن كل ذلك يصبح مسوغا ومقبولا بمجرد توجه قادة الكيان الصهوني الى تنفيذ اتفاقيات الإذعان التي يفرضونها على العرب فرادى ثم يجبرونهم مجتمعين على التطلع اليها بوصفها أملا منشودا؟! وأرى أن الجهود التي تبذل لعقد لقاء عربي مصغر يفضي الى تعاون وتنسيق وتفاهم حول موضوع المفاوضات وانجاحها, لا يرمي الى الاستفادة عمليا من موضوع الاختراق الضار الذي حدث لكل نوع من أنواع التعاون والتضامن والتنسيق العربي بعد مؤتمر مدريد, وتم في مناخه توقيع اتفاق أوسلو والمعاهدة الاردنية ــ الاسرائيلية, بل يرمي الى ترسيخ نجاح ذلك النهج والى الاقرار بنتائجه ثم العمل بوحي من تلك النتائج لتكريس تلك الاتفاقيات وتوسيع إطارها وتعزيزها باتفاقيات جديدة, (يشفع لها) أنها تتم على أرضية تفاهم عربي يستفيد من الماضي لتثبيت ما تم في ذلك الماضي وتوسيع مداه!! انه عجيب ولكنه يحدث. في ظل هذا يتم التطلع السياسي العربي الى تعزيز موقع عرفات وسلطة الحكم الذاتي من أجل تنفيذ الاتفاق البائس اتفاق واي بلانتيشن, وتسويغ القبول بقرية (أبي ديس) عاصمة لدولة فلسطينية بلا سيادة ــ موضوع اتفاق يوسي بيلين ومحمود عباس ــ بدلا من القدس, وتتم طمأنة أهل (المسار الفلسطيني) , الخائفين من استئناف المفاوضات وتقدمها على المسار السوري اللبناني ــ الإسرائيلي, طمأنتهم الى أن التقدم في المسارات الأخرى لن يضعفهم ولن يتم على حسابهم, وتتم طمأنة الكيان الصهيوني بشأن المستقبل السياسي المنشود عربيا, فهو قائم على أرضية احترام الاتفاقيات المرفوضة من الجماهير العربية وتوسيع مداها وتعزيزها بتطبيع شامل للعلاقات بين العرب و(اسرائيل) , وطمأنة لكل الأطراف العربية المعنية بسياسة الاعتراف والتطبيع بأن تلك السياسة مستقرة ومستمرة ومنتصرة في النهاية, مهما كانت شدة (الزفرات) التي رافقت ظروف توقيعها على اتفاقياتها تلك, ومهما كان رفض الجماهير العربية لها شديدا؟! انه الوضع العربي الذي يحتشد ليتراجع أو ليقر ما تم من تراجع في مسارات الصراع العربي الصهوني وليباركه بوصفه حكمة ومرونة وتلاؤما مع منطق العصر؟! من المؤسف ألا نشهد لقاءات عربية نوعية على مستوى القمة يكون من أهدافها تعزيز الموقع العربي الشامل في مسارات الصراع, وتأكيد المبدئية العربية القائمة على احترام الحس التاريخي للأمة في أرضها, والاطمئنان الحقيقي على مستقبلها ومكانتها وقوتها المنقذة, اننا على مشارف أحداث توحي بحركة, والحركة تحمل تغييرا في طياتها, ونأمل أن يكون في هذا التغيير ما ينعش أملا ويفتح أفقا في المستقبل, على مستوى الأداء السياسي العربي العام. وفي هذا المناخ وعلى ضوء قراءة ما يقبل علينا من أحداث نرغب في أن نؤكد ان كل (سلام) مع استمرار الاحتلال, واستمرار وجود سيادة للعدو الصهيوني في فلسطين, كل فلسطين, هو تدمير لمستقبل السلام والأمن والاطمئنان في المنطقة, أو هو سكوت على نمو السرطان الصهيوني فيها ليقضي عليها مستقبلا, وان أي ركون الى (عهود سلام) مع اسرائيل تعود بالاستقرار والازدهار على الأقطار العربية هو نوع من الوهم الذي يقود الى استرخاء فتراجع فتآكل فاندحار لكل مشروع, أو تفكير بمشروع, عربي نهضوي منقذ يأخذ بالاعتبار حقيقة ان الصراع العربي الصهيوني هو صراع وجود وليس نزاعا على حدود, ويعمل على امتلاك قوة على أرضية العلم والإيمان معا, واستخدامها باقتدار ووعي وحزم, لاستعادة حق أو حماية ارض أو للمحافظة على شخصية وهوية كرامة. ان انهيار السدود العظيمة يبدأ باختراقات صغيرة لا تلبث ان تكبر, اختراقات يلهو عنها الناس ويطمئنون الى متانة ما شيدوا في الماضي قبل تسلل بوادر الخراب الى ما شيدوا من بناء, هذا إذا بنوا بناء متينا أصلا, انهيار سد مأرب في القديم بدأ بانزياح بعض الصخور التي لم تلفت انتباها كافيا للكارثة المقبلة!! وأسأل الله سبحانه أن يجنبنا الغرق في متعة الوهم والمجد التليد و(الصداقة الاسرائيليو ــ أمريكية أو الأميرو ــ اسرائيلية لنا) وهو على كل شيء قدير. رئيس اتحاد الكتاب العرب والسوريين