لا نعرف التوصيات والاقتراحات التي من الممكن أن يكون مجلسنا الوطني الاتحادي قد تبناها في جلسة أمس, والتي تحولت في جزء كبير منها إلى مغلقة , بخصوص موضوع العمالة الأجنبية وخلل التركيبة السكانية, غير أن من المؤكد ان المجلس وقد اطلع على تقارير بحجم المشكلة وعلى تحذيرات مبنية على حقائق وأرقام, صار بامكانه التوصية باجراءات عملية تساهم في تخفيض أعداد العمالة وصار بامكانه أكثر تعليق الجرس. وهناك من الأعضاء من طالب بابقاء الجلسة مفتوحة, نظراً لأنه لا توجد أسرار في موضوع العمالة, ولكي يطلع المواطنون على حجم المشكلة حقيقة فيكون ذلك توعية لهم بخطورتها, كما أن العمالة باتت موضوعاً عاماً من حق الجميع الاسهام فيه, غير ان الاستجابة بتحويل الجلسة إلى مغلقة مفهوم أيضاً, لأن هناك من الدول ووكالات الأنباء الاجنبية ومنظمات عالمية واقليمية من يصطاد في مياه هذه العمالة ويستغل بعض المعلومات والثغرات لمهاجمتنا, فيصبح التعامل مع موضوع العمالة, على أهميته لمواطنينا وإشراكهم فيه, بقدر من الحذر والاحتياط مطلوباً وواجباً. غير أن الحذر المطلوب والاحتياط الواجب لا ينبغي أن يثني كل منهما عن المضي قدماً في معالجة المشكلة معالجة جذرية, عبر قرارات واجراءات واضحة وصريحة ولا لبس فيها ولا غموض ولا تراخي في تطبيقها وتنفيذها تنفيذاً شاملاً, على اعتبار أن موضوع العمالة, بما أنه أصبح يهدد الهوية والشخصية والاقتصاد وينذر بمخاطر في المستقبل, تصل الى حد تقويض الاستقلال, هو موضوع سيادي لا مجال للتراجع عنه, وغير مقبول التدخل فيه أيضا, وممارسة سياسية من ممارسات السيادة والاستقلال والدفاع عن المصالح الوطنية والحقوق والأمن القومي وما إلى ذلك من اعتبارات وطنية عليا. وعلى هذا الأساس, لا على أي أساس غيره , من المفترض ان نتعامل مع موضوع خلل التركيبة السكانية, وأن تصدر قراراتنا واجراءاتنا, وأن يتم تنفيذها بالاجماع ومن دون تراخ ولا تساهل ولا تردد, فقد بلغ السيل الزبى في خطر العمالة الماحق الماثل للعيان, وأي سكوت عنه أو تردد في معالجة الخلل هو من نوع التفريط في الوطن بعلم أو دون علم, بيقظة أو بغفلة, وفي كل الأحوال فلن تغفر لنا الأجيال هذا التفريط لا سمح الله. واذا صعدنا هذا التعامل مع موضوع العمالة الى هذا المستوى, وتوفرت مع هذا التصعيد الارادة السياسية القوية, وهي لا شك موجودة, فان قراراتنا ستأتي في المستوى نفسه من القوة والأهمية والاصرار على النجاح, خاصة أن علاجاً ما لخلل التركيبة السكانية يحتاج الى عدد من السنين طويل, لا يقل عن عدد السنوات التي استغرقها تكوين المشكلة وبروزها على أقل تقدير, مع برامج مناسبة وقوية في الوقت نفسه لتوطين الوظائف والمهن على كافة المستويات والأصعدة. وهكذا فان قراراً ملزماً, هو عمل من أعمال السيادة وممارسة الحقوق الوطنية, بتشغيل نسبة معلومة من المواطنين لدى شركات القطاع الخاص, وطنية وأجنبية على السواء, مطلوب بالحاح, لأنه وسيلة من وسائل تقليص العمالة الأجنبية في أحد الوجوه, كما ان قرارات بوقف تراخيص أنواع معينة من الرخص ووقف تأشيرات اقامة لعدد كبير من أنواع العمالة لعدد معلوم من السنوات المقبلة مطلوب بالحاح أكثر, والشروع فوراً, كما حدث سابقاً في حملات مماثلة, بتسفير المخالفين لقوانين التأشيرات والهجرة والاقامة والعمل مطلوب بالحاح أكثر فأكثر.. وهكذا. وبطبيعة الحال فان بالامكان اتخاذ من الاجراءات ما يكفي لضمان حل المشكلة عبر سنوات مقبلة, شرط ان ننظر الى الموضوع نظرة سيادية فعلاً والتضحية ببعض ما يعتبره البعض مصالح اقتصادية, هي في الحقيقة مصالح شخصية ضيقة, المتضرر الأكبر منها هو الوطن وعموم المواطنين والاجيال المقبلة التي تهدر هذه المصالح ثرواتها, ومن دون هذه النظرة السيادية وفي غياب الارادة الفعلية فان تعاملنا مع موضوع العمالة الأجنبية, يبقى دون مستوى الخطر الذي نحن فيه, وأقل بكثير من شعورنا بالقلق والخوف والرعب أيضا من المستقبل.