وصفها الزعيم الكوبي ذات مرة بأنها (غير اخلاقية) . هذه هي مشكلة الديون الاخطبوطية التي تأخذ بخناق شعوب العالم الثالث الفقيرة وتقف وراء كل مصائبها تقريبا من تفشي سوء التغذية وانهيار الخدمات الصحية وانتشار الملاريا والسل والايدز الى الفتن السياسية الدموية . وللمرة الثانية برزت القضية هذا الاسبوع على جدول أعمال قمة الدول الرأسمالية الصناعية السبع في مدينة كولونيا الألمانية دون ان تحظى بحل حاسم ونهائي؟ ما هي المشكلة اذن... وما هو الحل الحاسم النهائي؟ لب المشكلة بإيجاز هو ان مجموعة كبيرة من البلدان كتب عليها ان تبقى في حال افلاس أبدي لأن حصيلة كد شعوبها السنوية من النقد الأجنبي تذهب إلى خزائن حكومات وشركات العالم الرأسمالي باسم (خدمة الديون) بدلا من ان تذهب الى ميزانيات التعليم والعلاج والتوسع الانتاجي في الزراعة والصناعة والبنى التحتية بما يؤدي إلى تحسين المستويات المعيشية للأسر والأفراد وتوليد فرص عمل جديدة سنويا لأجيال الشباب الصاعدة من خريجي معاهد العلم. لقد نشأت المشكلات اصلا في منتصف السبعينات عندما تصاعدت اسعار النفط العالمية بأضعاف مضاعفة خلال سنوات قلائل مما أفرز أزمات نقدية لدى الدول الفقيرة التي تستورد الوقود. هنا رأي استراتيجيو (صندوق النقد الدولي) , الأداة المالية للسياسة الأمريكية الكونية فرصة تاريخية لتوريط تلك الدول في مأزق أبدي يضمن سيطرة أمريكية كاملة على مواردها الاقتصادية فتقدمت ادارة الصندوق على رأس مجموعة من البنوك والمؤسسات المالية الأمريكية والغربية الى حكومات الدول الفقيرة في افريقيا وأمريكا اللاتينية بوجه خاص تعرض عليها اغراء الاقراض. من هذه النقطة بدأت أكبر عملية ابتزاز مالي عرفها التاريخ البشري. وفق خطة محكمة السبك قدمت قروضا متتالية في بضع سنين إلى حكومات العالم الثالث روعي فيها سلفا ما يلي: أولا: ان يكون المبلغ (القرض) ضئيلا بالمقارنة مع الناتج القومي الاجمالي للدولة المقترضة بحيث لا يفي الا بأغراض الاستهلاك الاستيرادي الوقتي. أي لا يكفي كتمويل لمشروع تنموي ذي عائد. ثانيا: ان يكون سعر الفائدة عاليا. ثالثا: ان تكون فترة السداد قصيرة. وما هي إلا بضع سنوات من عمليات ضخ القروض حتى اكتشفت الدول المقترضة انها وقعت في فخ قاتل بعد ان اخذت آجال السداد تحل بفوائدها الباهظة دون ان تكون الاطراف المدينة قد نجحت في التغلب على ازماتها النقدية. ولان التعثر في السداد كان متوقعا من جانب اصحاب السيناريو المعد سلفا فانهم لم يتأخروا في الخطوة التالية: معاقبة المدينين بمضاعفة اسعار الفوائد الى فوائد مركبة وغرامات حتى يصير العبء اثقل فأثقل الى ان يعجز المدين نهائيا عن مواصلة الدفع. هنا تأتي خاتمة السيناريو: الخصخصة! اي اجبار الدولة المدينة على بيع ممتلكاتها الى الدائنين او وكلائهم المحليين, وهذا ما نراه الآن: مؤسسات القطاع العام المفتاحية من مصانع ومشاريع زراعية الى شركات الاتصالات وخطوط الطيران الوطنية. كل هذا كان مرتبا له منذ منتصف السبعينات. ولان الغرب يواصل الآن جني ثمار خطته فإن عزوف قادة القمة الرأسمالية في كولونيا هذا الاسبوع للمرة الثانية عن تبني قرار حاسم لتخليص الدول الفقيرة من ورطة الديون يجب ألا يكون مثار دهشة, ذلك ان مأزق المديونية لا يتيح للمؤسسات المالية الغربية استمرار الاستيلاء على الموارد الاقتصادية للدول المدينة فحسب, بل يتيح لها في الوقت نفسه ممارسة الابتزاز السياسي على حكوماتها. والمشهد الذي نراه يتبلور حاليا هو اضمحلال الدولة في العالم الثالث اقتصاديا وسياسيا ليحل محلها رجال صندوق النقد الدولي ومن ورائه من بنوك ومؤسسات مالية.