خلال الأسابيع الماضية شاركت في مؤتمر البنك الدولي حول التعليم في الدول النامية والذي عقد في العاصمة الأمريكية واشنطن, وقد أثرى ذلك المؤتمر معلوماتي حول تجارب الدول المشاركة, وفي طريق العودة للوطن , وبينما كانت الطائرة تحلق فوق السحاب, جال هذا الخاطر في مخيلتي وأردت أن أشارك فيه الميدان التربوي, وقد يسأل البعض أما كان من الأولى طرح هذا المقال مع بداية العام الدراسي؟ وقناعتي الشخصية أن التطوير بحاجة الى زمن وينبغي علينا احترام عقول المعلمين في الميدان بإعطائهم فرصة للتحاور والتشاور قبل الشروع في التنفيذ الذي هو بحاجة الى زمن وفترة الصيف من الأوقات المناسبة لذلك. المعلم الواقع (عميل البنك) المعلم في واقع العملية التعليمية اليوم, وبسبب تراكمات في تاريخ التعليم في الوطن العربي, يقوم بالدور المتوقع منه, وهو ما نتعارف عليه بالتعليم البنكي, والذي يتطابق فيه دور المعلم مع عميل البنك الذي لديه ثروة كبيرة يودع منها شهرياً مبلغاً من المال, وعند الحاجةة يكتب على ورقة ويوقع عليها ثم يدفع بها الى المصرف ليسحب كل أو بعض ثروته, وفي مقابل هذه الصورة يأتي دور المعلم الذي يفتح حساباً في رأس كل تلميذ ويودع في هذا الإنسان بعض المعلومات والمعارف التي عنده ثم يقوم خلال ورقة الامتحان بسحب هذه المعلومات خلال الاختبارات الشهرية أو في نهاية المطاف وعلى هذا النوع من التعليم ملاحظات أهمها: 1 ــ ملاحظات ترتبط بالهدف من التربية: حيث لوحظ خلل واضح في النظرية التي يقوم عليها هذا النوع من المناهج التعليمية, فاكتساب التلميذ للمعرفة أو المعلومات لا يعني فهمه لها, بل ان كثيرا من الطلبة اعتمدوا على استظهار هذه المعلومات, مما جعل العملية التعليمية تركز على قدرة واحدة من قدرات التلميذ وهي قدرته على التذكر, ولم تدفعه للتطبيق العلمي لما يتعلمه في المدرسة, بالإضافة الى ذلك, فان هذا المفهوم للمنهاج عزل المدرسة عن المجتمع الذي عقد عليها طموحات عظمى في تربية الجيل. 2 ــ ملاحظات ترتبط بالدارسين: ان حصر العملية التربوية فيما يرتبط بحفظ المعلومات جعل ميدان السباق التعليمي محدداً في القدرة على التذكر مما أدى الى إرهاق التلاميذ بكثرة المحفوظات ومن ثم عزوفهم عن العملية التعليمية وكراهيتهم للمدرسة, ومن جانب آخر, أدى التركيز على هذا الجانب الى ضمور الجوانب المعرفية الأخرى كالقدرة على الفهم, والتطبيق, والتحليل, والتركيب, ومن ثم الحكم أو التقويم, كما أهمل هذا المنهاج الفروق الفردية بين الطلبة, فهم يعاملون كما لو كانوا سواء في القدرات والاستعدادات. 3 ــ ملاحظات ترتبط بالمعلم: لا يتعدى الدور المطلوب من المعلم العمل على نقل المعلومات الواردة في الكتب الى ذهن التلميذ بشتى الوسائل, والذي قد يعني في بعض الأوقات استخدام الأساليب التعسفية كالضرب, مما يقتل عنده روح الإبداع والتطوير, ويؤدي على المدى الطويل الى تقييد النمو المهني عند المعلم, وحصر علمه فيما ورد في الكتاب المدرسي المقرر من الادارة, ونظراً لتطور الدراسات النفس تربوية, وانتقال العالم من عصر الصناعة الى عصر المعلومات, ولما في المنهاج القديم من عيوب سواء المرتبط منها بالأهداف المنشودة أم بواقع المعلمين والتلاميذ, فقد ظهر في علم التربية مفهوم جديد للمناهج سمي بالمنهاج بمفهومه الواسع والحديث. إذا هذا هو واقع العملية التعليمية عندنا اليوم اذا استثنينا من ذلك بعض المعلمين الذي كسروا ذلك الحمل التاريخي وتحملوا في سبيل الأمر النظرة الغريبة من الميدان سواء من المعلمين الأقران أو من التلاميذ الذين ما عهدوا ذلك الأمر من أغلب معلميهم. المنهاج حديثاً بالقدر الذي تتسع مجالات اهتمام المناهج التعليمية بقدرات التلاميذ المختلفة, بالقدر الذي ينتقل فيه المنهاج من المفهوم القديم الى التعريف الحديث للمناهج التعليمية, ان هذا العصر بسماته المختلفة دفعنا الى تطوير مفهوم المناهج التعليمية, فتحولهم التربية من نقل المعلومات والمعارف المجردة, الى الاهتمام الواسع بشتى قدرات الطالب, فأصبحت المناهج التعليمية تعرف, بمجموعة الخبرات التربوية التي تهيؤها المدرسة لتلاميذها داخل المدرسة أو خارجها بقصد مساعدتهم على النمو الشامل وتعديل سلوكهم طبقاً للأهداف التربوية, كما تعرف المناهج بأنها الخبرات التي يكتسبها التلميذ تحت اشراف المدرسة وتوجيهها سواء داخل الفصل الدراسي أم خارجه. وينقل تانر وتانر مجموعة من تعريفات المناهج منها ان المنهاج عبارة عن كل المخرجات التي تتكفل بها المدرسة, أو الخبرات التعليمية المخطط لها, وأما أورنستين وهنكتر فقد عرضا مجموعة من التعريفات ضمن هذا الإطار لعل من أبرزها تعريف المنهاج على أنه: كل الخبرات التي يمر بها التلميذ تحت إشراف المعلم. وجاء هذا التعديل في مفهوم المناهج التعليمية نتيجة لتطور الفكر الفلسفي التربوي والاجتماعي, ولتبدل نظريات علم النفس التربوي, والمتتبع للكتب الغربية في ميدان المناهج التعليمية يرى تأكيدها على أهمية التحرر من أزمة التربية القديمة والتي ركزت على جانب واحد من الإنسان ألا وهو قدرته على الحفظ, الانتقال الى تنمية مختلف قدرات الانسان. فهذا أورنستين وهنكتر يؤكدان على أهمية ان تقلل المناهج من تركيزها على المواد المدرسية, وتضيف بدلاً من ذلك اهتماماً برغبات التلاميذ وحاجات المجتمع, وينقلان عن كوفمان بحثاً علمياً عن مناهج المستقبل والتي من أهم أهدافها تدريب الطالب على فنون الحصول على المعلومات بسهولة, وتعليمهم طرق التفكير المختلفة, والتي منها التفكير العلمي الواضح, وغيرها من المهارات الأساسية التي تساعد الإنسان على التعامل مع هذا العصر بما يناسبه في ضوء المستجدات فيه. معلم المستقبل (المخرج بدل الممثل) في التشبيه الماضي نظرنا للمعلم من زاوية المصارف أو البنوك, أما الان فدعونا نشاهده عبر كاميرا المخرج السينمائي, كلنا يدرك أن العمل التلفازي الجيد هو الذي يحوي عناصر أساسية أهمها النص الجيد, الممثل القدير, المخرج الرائع, والامكانات المادية الأساسية, يقوم المخرج بالتأكد من قدرة الممثلين على استيعاب النص وحفظ الجوانب الأساسية منه, ومن ثم يدربهم على تمثيله إذا هو لا يقوم بالتمثيل إلا من باب تدريب الممثلين على ذلك لكن هدفه الأساسي هو التأكد من قدرة الممثلين على القيام بأدوارهم, لذلك ومع فارق التشبيه فدور المعلم اليوم ينبغي أن يتشابه مع دور المخرج الذي عنده المنهاج ــ أي النص في التمثيل ــ ويتأكد من قدرة التلاميذ ــ الممثلين ــ على استيعاب النص ومن ثم تطبيقه عندها نقول أن المعلم ــ المخرج ــ قام بالدور المطلوب منه وكذلك الطالب ــ الممثل ــ وهناك فقط تتم العملية التعليمية التي نريد, فنحن لا نتوقع ان ينجح التلاميذ بمجرد قيام المعلم بتمثيل المنهاج أمامهم بل لابد من أن يتأكد من قدرة التلاميذ أنفسهم على القيام بذلك فمعلم الكيمياء الذي يقوم بأداء التجربة في المختبر أمام التلاميذ خير ولاشك من الذي يجري التجربة على السبورة, ولكن كلاهما قد مثل وترك التلاميذ للمشاهدة لذلك لاتتم العملية التربوية على أحسن حال الأمر يقتضي قيام كل طالب بأداء التجربة بنفسه لكي نتأكد أنه قد تمكن من هذا النص اي المنهاج هذا ما نصبوا اليه إذا أردنا الارتقاء بالعملية التربوية عندنا, السؤال الذي يطرح نفسه هل بإمكاننا أن نقفز بالتعليم عندنا هذه القفزة؟ بلغة أخرى لو طلبنا من المعلمين القيام بدور المخرج بدلاً من دور الممثل ألن نلقى مقاومة في الميدان؟ الجواب بكل صراحة بلى, هذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة. * وكيل كلية التربية E-Mail: K.Suwaidi@uaeu.ac.ae