مع نهاية حرب كوسوفو حققت الولايات المتحدة ودول الناتو انتصارا واضحا. لقد نتج عن الحرب الجوية قبول يوغسلافيا بشروط الناتو المعلنة التي تتضمن انسحاب القوات الصربية ودخول قوة سلام من الناتو وعودة اللاجئين. وتشكل عودة اللاجئين بحد ذاتها انجازا جوهريا, ذلك لأن هذه العودة هي الثانية (بعد الكويت 1991) للاجئين خلال عقود. لقد حقق الناتو انتصارا للعمل الجماعي القائم على عدة اطراف. وهذا يعني امكانية قيام هذه الدول في المستقبل بمواجهة اعباء ومسؤوليات مشتركة بشكل جماعي. ان مسألة الامن الجماعي, القيادة الجماعية, المشاركة الدولية, كلها ابعاد تزداد اقترابا من طبيعة الوضع الدولي الذي نحيا به. ولكن هذه الحرب لم تكن حربا سهلة, او حربا بلا مصاعب حقيقية. فمن مواجهة انتقادات داخلية ضد السياسة الامريكية مصدرها الحزب الجمهوري الى مواجهة انتقادات خارجية مصدرها روسيا والصين ودول اخرى الى مواجهة اخطاء وقعت ابان الحملة من شاكلة القصف الخطأ للسفارة الصينية او القصف الخطأ للاجئين كوسوفيين, نجد ان السياسة الامريكية تعاملت مع متعرجات كثيرة. بل ارتكزت الكثير من الانتقادات خاصة في الساحة الامريكية والموجهة للسياسة الامريكية ولسياسة الناتو على صعوبة الانتصار في حرب جوية. ودعم هذا التحليل كون عدد غارات الطيران الموجهة ضد يوغسلافيا اقل من الغارات على العراق ابان الحرب الجوية التي سبقت تحرير الكويت. لقد استنتجت جهات عديدة ومراكز دراسات هامة بأن تحقيق انتصار من الجو امر شديد الصعوبة, لهذا كانت الافكار المتشائمة خاصة مع خروج مئات الألوف من اللاجئين كثيرة على مدى اسابيع القصف وأسابيع الحرب. ورغم ان كوسوفو مقاطعة اسلامية وان عمل الناتو صب في انصاف شعب مسلوب من الحقوق الا ان اوساطا عربية ثقافية وجدت بسهولة نظرية للمؤامرة تخلط من خلالها الاوراق بطريقة تؤدي الى تغييب الحقيقة وعدم ووضح الفارق بين المعتدي والمعتدى عليه. نظرية المؤامرة الجديدة فسرت الغارات الجوية التي قامت بها الولايات المتحدة والناتو في ظل ما اعتبرته تفاهما بين ميلوسيفيتش والولايات المتحدة والغرب, واعتبرت هذه النظرية بأن الغارات مسرحية وتمثيلية هدفها انهاء وجود المسلمين في كوسوفو. التفسير التآمري للأحداث تفسير يعجز عن تقديم حلول أو تصورات تؤكدها الاحداث, بل هو تفسير شكلي لا يقف طويلا امام التدقيق والمتغيرات. وتؤكد تجربة الاحداث في يوغسلافيا بأن الوضع الدولي لن يحتمل طويلا تصرفات من نمط ما قام به ميلوسيفيتش تجاه أقليات ودول محيطة. وسوف تواجه تصرفات شبيهة في المستقبل خاصة في المناطق الاستراتيجية في العالم معارضة وتصدي. ففي أوروبا كما وفي منطقة الخليج كما في مناطق عديدة في العالم من آسيا الى أمريكا اللاتينية لن يسمح بتغيير رسمي في ميزان القوة بواسطة العنف والدكتاتورية والتحدي الشامل. ان محاولة استعادة النمط الذي ساد في زمن الحرب الباردة ستواجه باستمرار بمقاومة واضحة من قبل تحالفات دولية مركزها الولايات المتحدة. وهذا لا يعني ان دولا عديدة اخرى لن تحاول قمع اقلياتها أو التعدي على مجتمعات ودول محيطة أو خلخلة الامن في محيطها, سيبقى هذا الأمر ما بقيت الشعوب والدول, وستكون مبررات كل محاولة جديدة ان الأوضاع في هذه المرة أفضل من أوضاع سابقة وان فرص النجاح افضل من فرص الفشل, وان اغراءات النجاح أعلى من الخسائر المتوقعة, وهذا يعني ان المحاولات ستستمر بين الحين والآخر, وان النظام العالمي الذي ينتظم في بعض ابعاده, هو الآخر نظام عالمي فيه مجال للفوضى في ابعاد اخرى, هذه الحرب ليست آخر الحروب أو آخر الأزمات العالمية. ويعزز هذا الاحتمال ان الثمن الذي تدفعه الولايات المتحدة لقيادة التحالفات في مواجهة الدول التي تشابه حالة يوغسلافيا والعراق مرتبط بعدة أعمدة, أولا التكاليف العسكرية الباهظة, ثانيا الاضطرار للانتشار العسكري في عدة أقاليم في نفس الوقت, ثالثا مواجهة تحالفات (روسيا والصين) التي قد تكون أكثر قوة في المستقبل, رابعا الاضطرار للاعتماد على دول اخرى في التحالف لتأمين الدعم الميداني والعسكري. وبينما انتهت الآن حرب كوسوفو الا ان عملية احتواء ميلوسيفيتش قد بدأت, وهذا يعني ضرب طوق ما عليه وعلى نظامه, ويعني ايضا ان امكانية أخذه لمواقف تصادمية في مراحل اخرى ضد الناتو. لهذا قد تبقى النار تحت الرماد وقد تبقى المخاوف بانتظار حلول أكثر جذرية. استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت