ما العلاقة بين ارتداء البنطلون واللعبة السياسية في الكويت؟ إنني أدعو القارىء المتعجل الى أن يتحلى بقليل من الصبر حتى يتبين أبعاد هذه العلاقة بعد أسطر قليلة , فقد يكون هذا العنوان غريبا على البعض, ولكن بعد التفسير الوجيز يمكن أن تتبين بعضا من ملامح الصورة, وماتحتويه من قصة طريفة, فبعد افتتاح جامعة الكويت في النصف الثاني من الستينيات قرر أولو الأمر فيها أن يحضر الطلاب قاعات الدرس, وهم يلبسون البنطلونات والقمصان, لا أعرف ما العلاقة بين التعليم والملابس, ولكن ادارة الجامعة آنذاك أقنعت الجميع أن هذا هو الطريق الأسلم لتلقي العلم! وقد امتثل الطلاب لهذا الأمر المفروض رغم تعودهم مثلهم مثل آبائهم لبس الدشداشة والعقال, واقتصروا على لبس هذه الملابس بعد انتهاء اليوم الجامعي, ولم يكن أحد ليحتج, ولكن بعد برهة من الزمن غلب الطبع التطبع. فقام العديد من الطلاب بتجاهل أمر البنطلون والقميص, وبدأوا يحضرون دروسهم بالملابس الوطنية, وتسامح بعض الاساتذة مع هذا (الخروج) عن التقليد (الجامعي) وغضوا الطرف عن شكل الملابس, الا البعض منهم, وأذكر من هذا البعض أستاذ علم النفس (انتقل الآن الى جوار ربه) كان يصر على تطبيق اللوائح الجامعية بحذافيرها, ويجبر طلابه على ارتداء البنطلون والقميص في محاضرته, وامتثل الطلاب لهذا الأمر, فكان بعضهم يحضر صباحا بالملابس الوطنية, وقبل أن تبدأ محاضرة علم النفس يذهب الي بيت الراحة حتى يغير ملابسه, والدخول للمحاضرة, كان الأمر غريبا وشاذا, ولكن الجميع قبله اتقاء لاية مشكلة. من بين الطلاب واحد أعطاه الله فسحة في الجسم وكميات اضافية من الشحم واللحم, وكنت أشاهده وهو يحشر نفسه في ذلك البنطال الضيق لا يكاد يستطيع التنفس من كثرة حز البنطلون على وسطه المنفرط, وندهش ــ وكنا مازلنا أساتذة مبتدئين ــ لماذا يصر استاذ علم النفس وهو المفروض العالم باختلاف البيئات والثقافات على أن يحضر طلابه في هذه القاعدة التي لا معنى لها من لبس البنطلون والتعليم الجامعي, ولا أدري ان كان هذا الطالب (المتين) قد أكمل تعليمه في ظل حصار الازياء هذا أم لا. ويبدو أن الشكل والموضوع قد اختلطا كثيرا على بعضنا حتى اليوم, ليس في العلاقة بين التعليم والبنطلون فقط, ولكن في العلاقة بين الكثير من المفاهيم المطلقة والممارسات, فمفهوم الديمقراطية والممارسة في عالمنا من هذه المفاهيم التي مسها خلط عظيم. لو حاولنا أن نتتبع كل المفاهيم التي تحملها الشعارات التي تطلق في الساحة السياسية الكويتية إبان المعركة الانتخابية الجارية التي يبدو أن زيادة ارتفاع حرارة الجو قد زادت من اشتعالها, لوجدنا أن الخلط بين المفاهيم والممارسات واضح جلي. لعل أول ما يتبادر الى الذهن هو العلاقة بين التشريع والتطبيق, فقد شرع مجلس الأمة السابق قانونا بتجريم الانتخابات (الفرعية) وبصرف النظر عن التبريرات التي يصفها البعض أو الذين يقبلونها أو يرفضونها, فان القانون واضح ويجب احترامه, ومع ذلك, فقد تم اختراقه على يد بعض من ساهم في تشريعه, ويعني ذلك أننا نشرع للآخرين فقط, لانه متى ما تعارضت المصالح الشخصية نضرب عرض الحائط بالقوانين المرعية. المثال الآخر ما يقال عن ذلك المزاد الآخذ في الارتفاع, والذي يتم في شراء الاصوات او بيعها, هنا أيضا قضية لو أعملنا النظر فيها لوجدنا انها تحتاج الى طرفين, اولهما هو من يحاول ان يشتري الاصوات من المرشحين, وثانيهما من يبيع رأيه السياسي ببضع عشرات من الدنانير, والسؤال: ما حجم المشكلة؟ ان كانت محدودة بعدد قليل من الناس فذلك شيء يمكن النظر فيه, أما اذا كانت كما يدعي البعض أنها منتشرة وعامة, فان السؤال الذي لابد أن يطرح هو: ما قيمة مجتمع يمارس العمل السياسي و(الكثير) من ناخبيه يمارسون (بيع) أصواتهم؟ العيب هنا ليس في المرشح الذي يقدم المال فقط, ولكن العيب أيضا في القطاع الكبير (إن صح الاتهام) للذين يبيعون! في مثل هذه الحالة, يصل المتابع الى قناعة مفادها أن الممارسة السياسية مجرد صفقة, وان الديمقراطية مجرد لعبة. ومنذ يومين, قابلت بالمصادفة أحد المرشحين من ذوي الاصوات العالية والذي يطلق كل يوم تقريبا تصريحا ملتهبا, وسألته: ما هذه التصريحات النارية التي ترف علينا كل يوم؟ فقال مبتسما: لا تنظر الى التصريحات هذه الايام فكلها للاستهلاك فقط, هكذا يريد الناس. فهل هذا بالفعل ما يريده الناس؟ أم ان للناس وجهة نظر أخرى, من المؤكد أنهم يسمعون كل هذا الكلام, ولكن طبقا لمبدأ الاغلبية الصامتة, فإنهم لا يقولون رأيهم علنا, وفي الغالب ليس خوفا, ولكن حياء او تحفظا, الا أن بعضهم يرى ان هذه الشعارات قد استهلكت, بل ربما أننا لم نسمع غيرها لفترة طويلة من الزمن كما أنها لا تقدم ولا تؤخر لحل القضايا المطروحة على الوطن والمواطن. ومن يقرأ الصحف الكويتية هذه الأيام يعتقد أنه ليس هناك شيء قد تم انجازه, بل كل القضايا مازالت معلقة منذ سنوات طويلة دون أن يصدر بشأنها ولو مجرد قرار, والسؤال: أين كنتم من هذه القضايا وبعضكم قد جرّب الوزارة لفترة والنيابة لأكثر من فترة؟ الحق أن بعض المرشحين لا يفعلون ذلك ولا يقدمون للناخب خبزاً وعملاً كما يفعل الكثيرون, او تخويفاً وترويعاً كما يفعل آخرون, بل يسعون جاهدين لتقديم الحقائق الموضوعية او بعضاً منها على الأقل, وهذه المجموعة ليست كبيرة, وربما ليست فاعلة حتى الآن, ولكن وجودها بحد ذاته وقدرتها على رفع صوت الاعتدال يعني ان الناخب الكويتي قد بدأ يتعرف على أهمية وجود اشخاص قادرين على رفع صوت مختلف عن السائد, ويفهمون الممارسة الديمقراطية كما يجب ان تكون, ومن الملاحظ ايضاً ان هذه الأصوات بدأت تكسب مساحة لا بأس بها في الساحة الانتخابية, وربما يصل بعضها الى سدة البرلمان المقبل, كما ان قيمة الاعتدال ومتابعة القضايا الاساسية تبدو في الكتابات التي افتقدت بعض البرلمانيين البارزين الذين شاركوا في الدورة الاخيرة التي أطلقت ما يكفي من الرعود والبروق وانتهت بحلها وذلك عندما قرر نواب مثل عبدالعزيز العدساني وأحمد النصار ان يتخلوا عن دخول المعترك الانتخابي الحالي, لقد كانت ردّة الفعل العامة هي الشعور بالخسارة, ولم يكن اي واحد منهم ممن عرف عنه الصوت العالي, او عدم تحكيم العقل فيما يتم طرحه تحت قبة البرلمان, هذا الشعور العام بــ (الفقدان) هو الذي يعزز ما ذهبت اليه بأن الناخب الكويتي بعد هذه التجربة الطويلة يقدر قيما جديدة في الممارسة البرلمانية. مثل هذه المظاهر التي وصفنا بعضها في السابق هي مثل ظاهرة البنطلون والتعليم, فالتعليم مهم للتقدم والتنمية, ولكن ليس بالضرورة ان يكون مصاحبا للبس البنطلون, كذلك الممارسة الديمقراطية هي أساسية في تقدم الشعوب ونموّها السياسي, ولكنها ايضا ليس بالضرورة ان تقدم على طبق من الصراخ والعويل السياسي, ومحاربة طواحين الهواء, ان لم نجد من نحاربه, كما انه يجب الا نصر على حشر تجربة طويلة من الممارسة السياسية قام بها الشعب في الكويت في الملابس القبلية الضيقة التي تجعل من الانتخابات الفرعية وهي نوع من الولاء القبلي وشراء الاصوات, وهي أيضا نوع من الفساد القبلي, هي السمة الرئيسية في تلك التجربة السياسية التي نخوضها. فالقضايا الرئيسية التي تواجه المجتمع الكويتي اليوم يمكن وضعها في محورين اساسيين هما الامن والاقتصاد, وكلاهما مرتبط بالآخر, كما ان كلا منهما لا يستطيع فرد أو افراد ان يقدم حلولا ناجعة له, ولكنهما يحتاجان الى توافر جهود مجتمعة لتقديم حلول, وهي حلول تحتاج الى مصارحة لا الى تحميل اللوم على هذا الطرف او ذاك من الأطراف. في الأمن الخارجي لا يحتاج عاقل للتذكير بان البلاد مهددة من جار لا يريد للمنطقة الاستقرار, وهو يتنفس ليل نهار بمثل هذه التهديدات الدائمة وبطرق ووسائل شتى, آخرها ما كتبه سعدون حمادي في إحدى الصحف الصادرة في لندن حول طموحات التوسع للنظام العراقي, اما الموضوع الاقتصادي, فيكفي متابعة اسعار برميل النفط في البورصات العالمية, ومتابعة ارقام الميزانية العامة ومبلغ العجز المحقق كي يعرف الجميع اي وضع اقتصادي هم فيه.