يجمع المجلس الوطني الاتحادي في جلسته اليوم, كلاً من وزير الداخلية ووزير العمل والشؤون الاجتماعية, في جلسة نتوقع لها أن تكون مثيرة وحامية , ذلك لأن موضوع الجلسة, العمالة الأجنبية وخلل التركيبة السكانية, من أكثر الموضوعات سخونة على قدمه, ومن أكثر الموضوعات حساسية وأهمية على وضوحه, ويكاد يكون اليوم القضية الوطنية الأولى, إن كان هناك أجندة لقضايانا الوطنية. وهناك أجندة فعلا لقضايانا الوطنية, وإن لم تكن معلنة, فيها من البنود الكثير, العمالة الأجنبية من أولوياتها أو على رأسها, ثم هناك قضية الجزر الثلاث, فقضية التعليم, ثم قضية التوطين وقضية الإسكان وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين, وهكذا وصولا إلى قائمة أخرى من القضايا العامة, اقتصادية واجتماعية, غير ان قضية العمالة الأجنبية من بينها كلها, هي الأخطر, ذلك لان آثارها انتقلت من الهامش إلى المركز ومن المُغْفل إلى المحسوس, ومن المسكوت عنه إلى المصرح به والجهر. والغريب أن هذه القضية هي من الاجماع العام بحيث لا تحتاج إلى مزيد من البحث والنقاش, فالوزراء الذين سوف يحضرون جلسة الوطني الاتحادي ويمثلون الحكومة, من ناحية, وأعضاء المجلس الذين يمثلون الشعب من ناحية أخرى, على اتفاق تام حول كل ما يتعلق بهذا الملف الخطير, ووجهات النظر, حكومية وشعبية, تصب كلها في اتجاه واحد, هو خطورة وضعنا الاجتماعي والاقتصادي وما وصلنا إليه بفعل الخلل الديمغرافي, ما يجعل من موضوع التركيبة والعمالة موضوعا متفقا عليه, فنسأل بدورنا: لم الاجتماع مرة أخرى إذن اليوم لبحث الموضوع؟ لا شك ان هناك قلقا متزايدا وشعورا بالاحباط العام تجاه موضوع العمالة, فهو على الرغم من الاتفاق الكلي على خطورته وآثاره وأهمية التقليل من العمالة لإحداث التوازن السكاني, ظل باستمرار في دائرة النقاش والبحث, ولم يقترب بعد من دائرة العلاج والحل, حتى ان حلولا جزئية سابقة طرحت لم ير بعضها النور, وبعضها الآخر توقف أو شبه متوقف, فيما العمالة في ازدياد وخلل التركيبة السكانية طرديا في ازدياد, ما يجعل القلق مشروعا والاحباط في محله, فيكون طرح الموضوع للنقاش شعبيا ورسميا مرة بعد مرة, مجرد تعبير عن هذا القلق العميق. غير اننا في موضوع العمالة, الذي مضت عليه سنوات هي تحديدا من عمر الدولة وهو محل بحث ونقاش وتحذيرات من أخطاره, نريد للقلق أن يثمر وللاحباط أن يتحول إلى أمل وتفاؤل, فقد شبعنا من بحث الموضوع, ومن دق نواقيس الخطر, فالخطر اليوم ماثل للعيان, يحسه كل مواطن في بيته وطريقه وقريته ومدينته ومسجده ومكتبه ولقمة عيشه, حيث في كل مكان هناك من الأجانب من يزاحمه أكثر منه عددا, يتحول بعضهم مع مرور الأيام إلى أكثر أهمية منه, اما لارتفاع دخله على المواطن, واما لما يجده من رعاية من أبناء جاليته حيث هم غالبية, فيما المواطن أقلية الأقلية. وعليه فالمأمول ألا يهدر مجلسنا الوطني وقته الثمين ووقت الحكومة في تشخيص الداء واظهار آثاره ومظاهره, فذلك كله مما بات معروفا ولا يُعرف, مقابل أن يخصص الجلسة للتفكير مع الحكومة في الوسائل العملية المطلوبة والخطط اللازمة لتقليص العمالة وتمكين المواطنين في وطنهم, قبل أن يجرفهم الطوفان ويصبحوا فعلا بلا حول ولا قوة إلا بالله. وأفضل نقطة نراها ممكنة للانطلاق هي استعراض التجارب السابقة في معالجة خلل التركيبة وموضوع العمالة للوقوف على أسباب فشلها واخفاقها, ثم اقتراح ما من شأنه أن ينجح من خطط وبرامج, وهو ما نعتقد انه ممكن مع توفر الارادة الرسمية والشعبية معا, وتكون البداية من اعتبار موضوع العمالة موضوعا سياديا والارتقاء به إلى هذا المستوى السياسي والأمني, لكي يمكن بعدها المضي قدما في انقاذ ما يمكن انقاذه قبل فوات الأوان.