ضبط عالم امريكي من اصل صيني متلبسا بسرقة اسرار نووية امريكية وتمريرها الى بكين بصورة منتظمة لم يكن في حد ذاته مثار دهشة بقدر ما كان رد الفعل الامريكي الرسمي على الحدث . كان ذلك قبل نحو شهرين عندما توصل (مكتب التحقيقات الفيدرالي) الامريكي الى اكتشاف ذلك العالم الذي كان يمارس التجسس العلمي على اعلى المستويات السرية لحساب الحكومة الصينية وعلى الفور ظهرت مفاجأتان: الاولى اتضح ان ذلك العالم الذي كان يعمل لدى مختبر امريكي حكومي كان يمارس عمله التجسسي لمدى اعوام للوراء.. ومعنى ذلك ان الاسرار النووية العسكرية العليا التي تجمعت لدى الصين من مصادر امريكية اسرار ضخمة من حيث الكمية والنوعية في آن معا. الثانية : وبما لا يقل اهمية ان المسؤولين الامريكيين على اعلى المستويات الذين جرى ابلاغهم بالكشف بواسطة كبار رجال (مكتب التحقيقات الامريكي) لم يأخذوا الامر بما يتطلب من الجدية والاهتمام, ومن بين هؤلاء المسؤولين ساندي بيرجر مستشار الامن القومي للبيت الابيض ومادلين اولبرايت وزيرة الخارجية. ويقال ان الرئيس الامريكي نفسه اخذ علما بالحادثة من بيرجر دون ان يأمر باتخاذ اجراء. ماذا يعني هذا؟ للاجابة عن هذا السؤال يجب ان نعيد الى الاذهان ان هناك فضيحة امريكية سابقة تتعلق بالصين لم تعالج إلا بعدم الاكتراث رغم خطورة مغزاها المستقبلي. فقد ضبط رجل اعمال امريكي من اصل صيني انفق اموالا في حملة الانتخابات الرئاسية الاخيرة لصالح (الحزب الديمقراطي) وتحديدا لصالح مرشحه بيل كلينتون ورغم ما احاط بهذه القضية من اثارة إلا ان التعتيم الاعلامي طوى صفحتها فيما يبدو. المسألة في مغزاها الاجمالي ان الصين تمكنت عبر سنين من ولوج السوق الامريكية والتوغل داخلها من خلق (لوبي) صيني من شخصيات امريكية نافذة, وهذا يعتبر الآن من الاسرار المذاعة رغم ان وسائل الاعلام الامريكية تعزف عن الدخول في تفاصيله وما يمكن ان تفرز هذه التفاصيل من استنباطات. كيف يعنينا هذا الامر كأمة عربية او مجموعة دول عربية؟ ان مغزاه يجب ان يعنينا فالمغزى الكبير هو ان اللوبي ـ اي لوبي ـ داخل الولايات المتحدة يمكن ان يشترى بالمال من اجل خدمة اهداف سياسية من داخل مؤسسات السلطة العليا في امريكا. ان اللوبي الصيني في امريكا يتزعمه د. هنري كيسنجر وزير الخارجية الاسبق والشخصية (الكارزمية) اليهودية وبهذه الصفة الجديدة يمثل كيسنجر رأس الرمح السياسي لخدمة المصالح الاقتصادية والمالية للشركات الامريكية التي تتعامل مع السوق الصينية العملاقة, وبمنطق مبدأ التبادلية في المصالح فإن اللوبي الذي يتزعمه كيسنجر يكرس نفسه ايضا لخدمة المصالح الصينية, وينشر هذا اللوبي نفوذه ليس فقط في مؤسسات السلطة الامريكية العليا ـ البيت الابيض والكونجرس واجهزة الاستخبارا ـ ت وانما ايضا في القطاعات الخاصة, المصرفية والصناعية والاعلامية. وما سمعناه عن تمكن الاجهزة الصينية من ولوج حملة الانتخابات الرئاسية الامريكية لمساعدة المرشح الديمقراطي بيل كلينتون في الفوز بالرئاسة نراه ينعكس الآن في السياسة الودية الامريكية تجاه الصين. كانت البداية بالطبع توسعا صينيا مخططا داخل السوق الامريكية كانت بكين على استعداد لدفع ثمنه حتى صار الآن الميزان التجاري الصيني الامريكي لصالح الصين بمبلغ يناهز 40 مليار دولار سنويا. لقد استوعبت الصين طبيعة اقتصاد السوق.. فهي سوق بكل ما تعني الكلمة من معنى تحقيق الفوائد عن طريق البيع والشراء.. بما في ذلك شراء الولاء من اجل خدمة مصالح سياسية واقتصادية, فحتى الشخصيات اليهودية النافذة يمكن شراؤها. فلماذا لا نفهم نحن العرب هذه اللعبة؟