شهدت مختلف الاقطار الاوروبية المنضوية تحت لواء الاتحاد الاوروبي اجراء الانتخابات المتعلقة بالبرلمان الاوروبي, الذي بات ينتخب بالاقتراع العام المباشر منذ سنة 1979, ويستهدف هذا الاقتراع الذي يأتي بعد توسيع الاتحاد ليشمل 15 دولة بعد انضمام النمسا والسويد وفلندا, الى انتخاب 626 نائبا موزعين على الدول الخمس عشرة, وهو يتم في سياق ادخال اتفاقية امستردام حيز التنفيذ, وفي نفس الوقت يقترن بتحديات واجهتها المجموعة الاوروبية, والتي لاشك, وانها انعكست على تصويت الناخبين. ولايشكل البرلمان الاوروبي مجرد واجهة, بل انه يضطلع باختصاصات مهمة ما فتئت تتقوى, وتتمثل بالاساس في المجالات التشريعية والمالية والمراقبة, ففيما يتعلق بالميدان الاول, فانه يعطي رأيه حول كافة المقترحات التشريعية التي تقدمها اللجنة الاوروبية, التي تعتبر بمثابة السلطة التنفيذية للاتحاد, ويمكن له ان يرفض كل مقترح للتعاون مع الدول الاخرى اذا لم يؤخذ رأيه بعين الاعتبار, اما في المجال المالي, فانه يتولى وضع الميزانية التي تتولى تمويل الفلاحة, والاعانات الضرورية للجهات, وكذلك المبادرات الاجتماعية, وخاصة في مجال الشغل, وبرامج مساعدات الدول الاجنبية, والتي يمكن ان يعارضها اذا كانت له مآخذ على الاطراف الموجهة لها, واخيرا, فان دور الرقابة توسع بشكل ملحوظ, حيث ان البرلمان هو الذي يوافق على تعيين الرئيس والمفوضين, كما يمكن له حجب الثقة عنهم, وارغامهم على الاستقالة, كما تبدى ذلك عندما اضطرت اللجنة الاوروبية بقيادة جاك سانتير الى الاستقالة بعد التقرير الذي قدمته مجموعة من الخبراء, وكشف عن الكثير من الاختلالات والمحسوبية والفساد في اشتغال اللجنة الاوروبية. وبالرغم من صعوبة الخروج باستنتاجات قاطعة حول اتجاهات هذا الاقتراع باعتبار تنوعه, فانه من الممكن الاشارة الى ثلاث خلاصات بارزة, تكمن الاولى في ضعف المشاركة وتتمثل الثانية في هيمنة الهواجس الوطنية, واخيرا ترتبط الثالثة بافراز اغلبية جديدة. اذا استثنينا الدول التي يعتبر فيها الاقتراع الزاميا, كما هو الامر بالنسبة لبلجيكا واليونان, والتي كانت فيها المشاركة مقبولة, فان اكثر من نصف الناخبين الاوروبيين لم ينتقلوا الى صناديق الاقتراع, وقد يعزى ذلك الى مجموعة من العناصر, من بينها طبيعة النظام الانتخابي المرتكز على التمثيلية النسبية من خلال التصويت باللائحة, وهو نظام ليس معروفا في كثير من الدول التي تعتمد على نظام الاقتراع الاحدي الاسمي, كما هو الامر بالنسبة لفرنسا وانجلترا... علاوة على ذلك, فان من مساوئه انه لايشخص اختيار الناخب, بل يركز فقط على رأس اللائحة, الامر الذي لايشجع على اية علاقة بين الناخب والمرشح, فضلا عن ذلك, فان الحملة الانتخابية لم تشهد حماسا كبيرا, ونقاشا حول القضايا الاوروبية, بل انها عكست الخلافات والصراعات الداخلية لكل دولة, مما جعل اللوائح في بعض الاحيان لا تعكس اتجاهات او قناعات, بل صراعات داخل الاحزاب. ففي فرنسا مثلا, لاحظنا كيف ان حزب التجمع من اجل الجمهورية, قد تأثر بالصراع بين اللائحة التي قادها رئيس الحزب بالنيابة نيكولا ساركوزي, وبين اللائحة التي تزعمها وزير الداخلية الاسبق باسكوا, والتي ركزت على سيادة فرنسا, وكان من نتائج ذلك اقتسام الاصوات بين اللائحتين, ونفس الشيء عانى منه اليمين المتطرف نتيجة الصراع الذي وقع بين جناح لوبين وغريمه ميغري, الامر الذي افضى الى اقصاء جزء من هذا اليمين المتطرف الذي لن يكون ممثلا اعتبارا الى انه لم يحصل على الحد الادنى من الاصوات المتمثل في 5%. وقد عمق هذا التشرذم من صعوبة تجنيد الناخب الاوروبي, واقناعه بمصداقية الرهانات التي يطرحها هذا الاستحقاق. ثانيا: لقد تأثر هذا الاقتراع بالمشكلات العويصة, والخلافات القائمة حول معالجتها, ومن بينها قضية كوسوفو التي طرحت نقاشات واختلافات حول الدور الاوروبي, وتفاعله مع الحلف الاطلسي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة, وقد تجلى ذلك واضحا في صفوف الخضر الالمان, الذي يقود احد اقطابهم وزارة الخارجية الالمانية. وبفعل التقدم الكبير الذي انجز على كافة المستويات, والتحديات التي يفرزها, فقد باتت قضايا جديدة تستأثر باهتمام المواطن الاوروبي, ويتعلق الامر بالصحة وبالعدالة الاجتماعية والبيئة.. وفي هذا الميدان, فقد تعاقبت خلال الشهور الماضية الازمات الحادة التي زادت من تخوفات المواطن الاوروبي, كما هو الامر بالنسبة لمرض جنون البقر, او الدجاج الملوث بالديوكسين.. علاوة على قضية كوكاكولا التي اندلعت مؤخرا في بلجيكا بعد ان اصيب مجموعة من الاطفال بآلام حادة نتيجة استهلاكهم للمشروب, مما دفع الحكومة البلجيكية الى سحب كافة منتوجات شركة كوكاكولا من الاسواق, اضف الى ذلك المواد المحولة جينيا التي تطرح نقاشات واسعة حول انعكاساتها السلبية غير المراقبة, لقد اضيفت الى هذه القضايا, مسألة اشتغال المؤسسات الاوروبية, واساسا اللجنة الاوروبية التي اضطرت الى الاستقالة بفعل تسرب المحسوبية والفساد وتبذير المال العام من طرف بعض المفوضين الاوربيين. ان هذه القضايا قد خلفت صورة سيئة للبناء الاوروبي في اذهان الكثير من المواطنين, الذين ذهلوا للانعكاسات السلبية التي يمكن ان يفرزها هذا الاندماج على صحتهم وسلامتهم, وهذا الشعور بالخوف الذي استثمر من طرف خصوم الوحدة الاوروبية ساهم في اخفاء بعض الجوانب الايجابية, والتي تسعى الى اعطاء هذا التجمع مكانة نافذة في اخفاء بعض الجوانب الايجابية, والتي تسعى الى اعطاء هذا التجمع مكانة نافذة في حظيرة التكتلات العالمية, وفي تدبير الشؤون الدولية, كما تجلى مؤخرا في قضية كوسوفو, فضلا عن توسيع صلاحيات البرلمان المنتخب بشكل ملموس, ولاسيما في مجال مراقبة اللجنة الاوروبية. ثالثا: بفعل ضغط الهواجس الوطنية, فقد ظهرت النتائج التي افرزها الاقتراع, وكأنها محاسبة للسياسات الوطنية, لاسيما في المجال الاجتماعي, وهكذا, تنامت قوة الخضر الذين قادوا حملة انتخابية ركزت على الهواجس والقلق الذي ينتاب الانسان الاوروبي في حياته اليومية, بالمقابل فقد فقدت مجموعة من الاغلبيات التي تقودها قوى اشتراكية جزءا من رصيدها, كما هو الامر بالنسبة لالمانيا وبريطانيا وايطاليا. وفي بلجيكا, وبفعل اقتران الانتخابات التشريعية بهذا الاقتراع الاوروبي, فقد ادت حكومة دوهان الاشتراكية ثمن تهاونها في معالجة بعض الفضائح كما هو الامر بالنسبة لفضيحة ديترو او فضيحة الدجاج الملوث, وفي مقابل تراجع الاشتراكيين في البرلمان الاوروبي, وفقدانهم للاغلبية, يعود اليمين الاوروبي بعد عشرين سنة, حيث سيطر على اول برلمان اوروبي في سنة 1979 بزعامة الفرنسية سيمون فيل. لكن هذه العودة ليست يسيرة باعتبار التنوع الواسع الذي ينتاب اليمين في اوروبا, والمتمركز حول الديمقراطية المسيحية. اذا كان صحيحا ان نتائج هذه الاقتراع لاتمس مباشرة تركيبة السلطة في الدول الخمس عشرة, فان قراءة نتائجها بالنسبة للاحزاب الاوروبية, قد تشكل فرصة سانحة لتقييم مسيرة هذه الاحزاب في افق الاستحقاقات التشريعية التي ستعرفها هذه الدول, في نفس الوقت, فان تدعيم البناء الاوروبي يتطلب من القائمين عليه الاخذ بعين الاعتبار الحاجيات الفعلية للمواطن, والمرتبطة بكل ما يمس سلامته وراحته في جميع المجالات. فلم تعد البناءات الوحدوية شأنها في ذلك, شأن السياسات العامة, مقتصرة على انجازاتها الاقتصادية, بل مرتبطة اساسا بمدى اشباع حاجيات المواطن, والاقتراب من انشغالاته وتطلعاته اليومية, وذلك ما يشكل جوهر المسألة الاجتماعية. وبصفة عامة, فان البرلمان الحالي الذي سينتخب اجهزته التسييرية في شهر يوليو المقبل سيجد نفسه مدعوا الى المشاركة في تدبير بعض الملفات الشائكة التي باتت ضرورية لمواءمة هذا البناء الوحدوي مع التحديات المختلفة ويتعلق الامر اساسا باعادة اصلاح اجهزة الاتحاد, وسيتم ذلك على ضوء التقرير الذي ستقدمه لجنة الحكماء, وهو يقضي باقرار مزيد من الشفافية والفعالية في عمل المؤسسات الاوروبية وكذلك اعادة النظر في آليات اتخاذ القرار, اي بصيغة اخرى, فانه يتوخى تصحيح الاختلالات التي اعتورت عمل اللجنة الاوروبية في اتجاه اقرار مزيد من الديمقراطية ويتمثل الملف الثاني في مواصلة مسلسل التوسع, وهو الذي يتمثل في فتح مفاوضات الانضمام مع خمس دول جديدة وهي هنغاريا وسلوفينيا واستونيا وسلوفاكيا وبولونيا, علاوة على ذلك, يطرح هذا التوسع الجديدة مشكلات كثيرة مرتبطة اساسا بكيفية تحمل التكاليف الناتجة عن الاصلاحات التي ستقدم عليها هذه الدول. وقد حددت اجندة 2000 التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر برلين الذي انعقد في مارس الماضي التوجهات الاساسية في هذا الصدد, واخيرا يكمن الملف الثالث العويص في البحث عن سياسة خارجية ودفاعية مشتركة, لقد اقنعت الازمة التي تعرفها منطقة البلقان الاوروبيين بضرورة الانكباب على هذا المطلب بجدية اكبر, فاذا كانت مقتضيات اتفاقية ماستريخت قد نصت على اهمية بناء سياسة خارجية مشتركة, فان تحقيق ذلك ظل متعثرا, ويمكن اعتبار القرار الذي اتخذته القمة الاوروبية المنعقدة في كولونيا بالمانيا, والقاضي بتعيين الامين العام الحالي للحلف الاطلسي خافيير سولانا كمكلف بملف السياسة الخارجية والدفاع في الاتحاد, بمثابة خطوة واعدة في هذا المجال, لكنها لاتخلو من تساؤلات حول امكانية تحقيقها ويتعلق الامر بتفصيلاتها, وحدود تفاعلها مع الحلف الاطلسي الذي تشارك فيه اغلب الدول الاوروبية, وكذلك مدى تأثيرها على العلاقات مع المناطق والدول التي تتفاعل معها اوروبا, كما هو الامر بالنسبة لروسيا والشرق الاوسط وحوض المتوسط الخ. بصفة عامة فان برنامج البرلمان الاوروبي, علاوة على اللجنة الاوروبية بقيادة الايطالي رومانو برودي, يبدو حافلا بالملفات, فكيف سيديرها؟ ذلك ما ستجيب عنه الايام والشهور المقبلة. استاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط