كشفت الاحد عشر اسبوعا من الحرب الجوية الاطلسية عن المشاكل الكبيرة التي لا تزال قائمة بين الولايات المتحدة الامريكية وخصمها المزدوج السابق ايام الحرب الباردة روسيا والصين, في الوقت الذي بدأ به الناتو الآن يضع على الارض نصره المهزوز على صربيا . وبالنتيجة مازال صراع البلقان ابعد ما يكون عن النهاية, فالاتفاق الذي انهى الحرب اتفاق غامض, وربما تكون سيطرة الصرب على كوسوفو قد ضعفت, لكن الوضع لم يحسم بعد والعداوة المزمنة هي السمة الابرز للعلاقة الصربية الكوسوفية. في بلجراد لم تعلن الحكومة الصربية التوبة بل تستمر في اعتبار كوسوفو ارضا صربية ويصرون على ان الاتفاق لا يتعارض مع وجهة النظر هذه والالبان من جانبهم يعتقدون وبشكل مسبق بأنهم قد اصبحوا الآن على طريق الاستقلال, وعلى الناتو الآن ان يواجه هذه المهمة الصعبة المتمثلة في الفصل بين هذين الطموحين المتناقضين. ويعود الآن آلاف الالبان الكوسوفيين يوميا الى ديارهم, بينما الصرب ينسحبون في المقابل, كما نفذ الجيش الصربي عملية انسحاب وفق جدول زمني حدده الاتفاق, لكن ومن دون شك سيحافظ الصرب على وجود مسلح في الاقليم بشكل او بآخر. وعلى غرار ذلك وبينما من المفترض ان يتم نزع سلاح جيش تحرير كوسوفو, إلا ان من المتوقع ان يحتفظ بأسلحته الخفيفة, ومن المثير للاهتمام ملاحظة الطريقة المنهجية التي سيطر بها جيش تحرير كوسوفو على المؤسسات الرسمية الصربية الرئيسية. وبمعنى آخر لايزال الوضع مرشحا للتفجر وبقوة ويمكن ان يتحول لعداوات جديدة ولكن مع قوات الناتو البرية هذه المرة. ولعل اكثر الامثلة تعبيرا عن عمق الشرخ بين الصرب والالبان في كوسوفو هما المشهدان المتضاربان للصرب وهم يحتفلون بدخول 200 من القوات الروسية لبريشتينا, ثم للالبان الذين احتفلوا في اليوم التالي بقدوم القوات الامريكية والبريطانية والفرنسية وغيرها من قوات الناتو. وهذا الكابوس اللوجيستي المتمثل بتفعيل عملية السلام الهشة, والمعقدة تلك ليس إلا واحدا فقط من مشاكل الناتو هناك ان هناك هاجسا آخر هو احتواء الوجود الروسي في قلب كوسوفو. وكانت الصحافة الامريكية قد امتلأت بالمقالات التي تحاول تحليل هذه الخطوة الروسية ولماذا وكيف استبقت القوات الروسية دخول الناتو الى كوسوفو بعد ان اكد وزير خارجيتهم للولايات المتحدة بأن الروس لن يدخلوا. وهناك مجموعتان من الاسئلة التي طرحت في الصحافة الامريكية لتحديد هذه المشكلة, الاولى تقول: هل اعطى الرئيس الروسي بوريس يلتسين الاوامر بالدخول وبشكل يتناقض مع وزير خارجيته ونتائج المفاوضات التي اجراها مع الولايات المتحدة:؟ واذا كانت الاجابة بنعم, فلم؟ اما في المجموعة الثانية فالسؤال هو: هل كان جنرالات الجيش الروسي هم من اتخذوا هذا القرار ودون موافقة يلتسين؟ واذا كانت الاجابة بنعم, فمن ياترى هو صاحب القرار الان في روسيا؟ الشيء الواضح الوحيد حتى الان, هو ان القوات الروسية لن تغادر كوسوفو وتصر على القيام بدور في عملية حفظ السلام في كوسوفو. لكن هناك بعض النقاط الاخرى التي لابد من فهمها لتوضيح الوضع الحالي, فالروس يشعرون وبشكل يمكن تبريره نوعا ما بأنهم قد لعبوا دورا مهما في تسهيل التوصل للاتفاق الذي انهى الحرب, ولذلك يرون ان من حقهم ايضا لعب دورهم الخاص في حفظ السلام. والنقطة الثانية والتي يبرهن عليها استقبال الصرب لهم في بريشتينا فهي ان الروس يعتبرون ان لهم دورهم الاخوي والمشروع في يوغسلافيا اضافة لذلك تشعر روسيا, والتي عبرت عن تحفظاتها على توسع حلف الناتو ان من حقها ان تحمي منطقة نفوذها وانها لاتستطيع قبول دور هامشي لها وسط وشرق اوروبا. والاهم من ذلك هو ان روسيا وعلى الرغم من اقتصادها المنهار ووضعها السياسي المضطرب مازالت تعتبر نفسها احد اللاعبين على الساحة الدولية وبدأت العناصر المهمة في المجتمع الروسي (الجيش والشيوعيون السابقون والاحزاب القومية) تحس بالمرارة والعداء وبشكل متزايد تجاه الغرب وخصوصا الولايات المتحدة وهي تراها تحاول تهميش الدور الروسي في الشؤون الدولية. ولعل مايشعرهم بالمرارة اكثر هو ما يعتبرونه اهانة لهم عندما يتم استخدام روسيا وقت الحاجة لها ثم تنحيتها جانبا بعد ذلك. وعلى سبيل المثال فقد ساعدت روسيا الولايات المتحدة في التوصل لاجماع دولي ضد الاعتداء العراقي على الكويت ومنذ ذلك الحين تجاهلت الولايات المتحدة كل المبادرات والمصالح الروسية بشأن العراق. وبشكل مشابه انضمت روسيا للولايات المتحدة في رعاية مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط وبمراسم توقيع الاتفاقيات التي تلته لكن روسيا ابعدت عن جهود حفظ السلام الفعلية. وبالنسبة لصانعي السياسة الامريكية, لازالت روسيا مشكلة كبيرة تستعصي على الحل فروسيا دولة ضخمة ذات موارد قومية هائلة وتمتلك الافا من الرؤوس الحربية النووية. كما افرز التحول الروسي نحو الديمقراطية حالة من الفوضى الشاملة كما تمكنت المحسوبية والفساد والجريمة من تشويه انتقالها نحو اقتصاد اكثر انفتاحا. ومما زاد من تعقيد الوضع الروسي الذي اصبح الان يحير المحللين السياسيين في محاولتهم التنبؤ بما سيكون عليه مستقبل هذه الدولة هو تبدل سلوك الرئيس بوريس يلتسين من بطل الديمقراطية الروسية فيما سبق حيث اصبح اكثر اوتوقراطية وغرائبية. وحتى الان ضخ الغرب مليارات الدولارات لاصلاح الاقتصاد الروسي واعادة الاستقرار في الدولة لكن النتيجة كانت اقل من مرضية ومع ان الجهود الامريكية لتقليص مخاطر الاسلحة النووية واسلحة التدمير الشامل الروسية قد لاقت بعض النجاح الا ان المخاوف لم تتبدد تماما. والنتيجة ان روسيا سواء دعمها الغرب او تجاهلها وهمشها ستظل قادرة على التأكيد على دورها والمطالبة بالاعتراف بها. لكن الحساسيات الروسية ليست هي المشاكل الوحيدة التي تواجه الساسة الامريكيين فيما يتعلق بالنزاع الحالي في البلقان فبينما يلتقي المسؤولون الامريكيون نظراءهم الروس لمحاولة رأب الصدع الذي خلفه الاصرار الروسي على المشاركة في قوة حفظ السلام في كوسوفو يتوجه مسؤولون امريكيون اخرون الى الصين لرأب صدع خلفته لهم الغارات الجوية على صربيا. فقد اصبح قصف طائرات الناتو للسفارة الصينية في بلجراد يوم السابع من مايو السابق والذي قتل من جرائه ثلاثة دبلوماسيين صينيين جرحا مفتوحا في الصين. ومن الغريب حقا ذلك الكم من الجهود غير العادية التي تبذلها الولايات المتحدة لتهدئة الغضب الصيني خصوصا وان ذلك يأتي بالتزامن مع الفضائح الاخيرة التي عصفت بالولايات المتحدة حول الجاسوسية الشاملة التي تمارسها الصين على المنشآت النووية هناك. ومن الواضح تماما الآن وعلى الرغم من برنامج التجسس الصيني الذي اصبح عمره عقدين, ان الولايات المتحدة حريصة على تعزيز ماتسميه بالشراكة الاستراتيجية البناءة الامريكية الصينية. وأصبحت العلاقة الامريكية الصينية الآن قضية تثير جدالا ساخنا في الولايات المتحدة اليوم, وهناك قطاعات كبيرة من الجمهوريين والديمقراطيين تستشيط غضبا ليس من عمليات سطو الصين على الاسرار النووية والعلمية الحساسة الاخرى وحسب, بل ومن سجل الصين فيما يتعلق بحقوق الانسان وتطبيقها لنظام السخرة على السجناء لانتاج سلع تصديرية قليلة التكلفة. وتتمتع الصين الآن بفائض تجاري بقيمة 50 مليون دولار امريكي سنويا مع الولايات المتحدة. لكل هذه الاسباب مجتمعة, يتوقع ان تكون محاولة الادارة الامريكية لاعادة منح الصين وضع (الدولة الأولى بالرعاية) بالنسبة للتجارة مع الولايات المتحدة قضية ساخنة من دون ريب, بل وان تصبح احدى القضايا المهمة في الانتخابات الرئاسية عام 2000, وحتى المرشحين الديمقراطيين للرئاسة منقسمون بحدة على بعضهم بشأن هذه القضية. وفي الوقت نفسه ايضا هناك بين الساسة الامريكيين من يقلقهم التسارع الذي تبني به الصين ترسانتها النووية, ويشعرون بالريبة تجاه الطموحات الصينية بعيدة المدى في آسيا وغيرها. وبالتالي ونتيجة لكل هذه الاهتمامات يتساءل اولئك الذين مازالت الحرب الباردة بالنسبة لهم اكثر من مجرد ذكرى عن الحكمة وراء مايعتبرونه (تملقا) لحكومة صينية عدوانية مصرة على الاستمرار في تعنتها. لكن ادارة الرئيس كلينتون على كل حال, تنظر للامر من زاوية اخرى, فهي مازالت ملتزمة بدفن الحرب الباردة وتحويل كل من روسيا والصين بالتدريج الى مجتمعين يتمتعان بسوق مفتوحة حرة. وتؤمن هذه الادارة ان علاقة هاتين الدولتين بالغرب وضمان تقدمها ومستقبلها لن يتم الا عبر سياسة التواصل البناء. كذلك تحرص قطاعات كبيرة من المجتمعين الروسي والصيني علي تعزيز علاقتها بالولايات المتحدة والغرب عموما, حيث ينظر هؤلاء الى العون الغربي ونقل التكنولوجيا والدخول للأسواق الغربية كعوامل حاسمة لنجاح جهود الدولتين وتقدمهما. لكن يوجد في الولايات المتحدة والصين وروسيا فئات غير مستعدة لتجاوز المرحلة الراهنة وشق طريق لنفسها بعيدا عن عصر الحرب الباردة. نعم, قد تكون المصاعب التي افرزتها الحرب الاطلسية على صربيا قد اعطت الصقور حصانة اخضعت عزم دعاة الشراكة المسالمة مع اعداء الحرب الباردة لاختبار قاس, لكن ادارة كلينتون وتحت اي ظرف ستظل مخلصة لقناعتها تلك باعتبارها الاستراتيجية اللازمة لصوغ المستقبل. وعلى اي حال, ربما علمتنا الدروس المستفادة من النزاع الحالي بأن نكون واعين للحساسيات ومدركين للمخاطر التي تختبيء تحت سطح الطريق نحو المستقبل. رئيس المعهد العربي الامريكي بواشنطن