جميع المفاوضات السرية قبل مدريد كانت تقوم بين فريق من حركة فتح في رام الله على رأسه فيصل الحسيني وصائب عريقات وآخرون وبين جيمس بيكر وهو الذي قام بكل الأعمال التحضيرية بينما كل مؤسسات منظمة التحرير الائتلافية, المجلس الوطني, المجلس المركزي, اللجنة التنفيذية كانت غائبة تماما عن كل هذه الأمور التي كانت محصورة وسرية في اطار حركة فتح (مجموعة القدس) بالاتصال مع مجموعة تونس برئاسة ياسر عرفات, شخصيا كنت أعلم بما يجري باشكال غير رسمية لأننا كنا شركاء في الجولات الثلاث من عمليات التفاوض المكوكية مع بيكر لكن بعد الجولة الثالثة في مايو1991 انسحبت كل من الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب والجبهة الشعبية والدكتور حيدر عبدالشافي من المشاركة بلجنة التفاوض مع بيكر لأنه رفض التعاطي مع منظمة التحرير وأصر على ان يكون التمثيل من شخصيات من الضفة والقطاع فقط دون القدس ودون الشتات, والأهم رفض اعطاء اشارة امريكية بوقف الاستيطان طيلة فترة المفاوضات, ولذا جاءت لاحقا قرارات المجلس الوطني الفلسطيني قبل أيام من مؤتمر مدريد لتؤكد على القواسم المشتركة بأن عملية التسوية يجب ان تجري مفاوضاتها في اطار قرارات الشرعية الدولية ولمرحلة واحدة, وشرط أساسي (قبل البدء بمؤتمر مدريد ان نتلقى ضمانات بوقف الاستيطان) . لكن اليمين ويمين الوسط في المنظمة كسر قرارات المجلس الوطني والمجلس المركزي وذهب الى مؤتمر مدريد وفقا لورقة العمل الامريكية التي تقوم على التقاطع بين مشروع الحكم الذاتي الوارد باتفاقات كامب ديفيد ومشروع شامير ــ رابين الذي قدمه في مايو 1989 للحكم الذاتي للسكان مقابل وقف الانتفاضة المتعاظمة والتنازل المسبق عن ربط القدس بدائرة الحكم الذاتي (كتاب حواتمة : أوسلو والسلام الآخر المتوازن, وكتاب رئيس الفريق الاسرائيلي في أوسلو اوري سافير : المسيرة ــ مسيرة أوسلو كاملة), ودون سيادة سياسية على شبر واحد من الارض لمدة خمس سنوات على ان يتم البحث بعدها في قضايا القدس واللاجئين والنازحين والسيادة على الأرض والمياه والحدود. هذا ما رفضته أغلبية فصائل وقوى منظمة التحرير بما في ذلك صف واسع داخل حركة فتح في ذلك الزمان وكذلك عندما استعصت الأمور بمفاوضات واشنطن برئاسة الدكتور حيدر عبدالشافي واصطدم ومن معه تحت تأثير الحالة الجماهيرية في الأرض المحتلة وطالب بوقف الاستيطان فالتفّت عليه مجموعة تونس برئاسة عرفات وبدأت المفاوضات السرية في أوسلو الى ان تم التوقيع عليها بالاحرف الأولى. وايضا في هذا الميدان لم يكن أحد علم رسمي لا نحن كجبهة ديمقراطية ولا أية مؤسسة من مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية, بل تمت ادارة هذه المفاوضات السرية بين ثلاثة فقط كما أوضحت هذا في كتاب (نايف حواتمة.. أوسلو والسلام الآخر المتوازن) الصادر عام 1999 والثلاثة هم: عرفات واحمد قريع ومحمود عباس (أبومازن) دون علم احد حتى من رفاقهم في قيادة حركة فتح ودون علم وفد شخصيات الضفة والقطاع الذين كانوا يجرون المفاوضات في واشنطن واستدعوا على عجل بعد التوقيع بالاحرف الاولى وابلغوا بانه قد تم التوقيع على اتفاق اوسلو بالاحرف الاولى وعندما سألت حنان عشراوي هل بامكاننا ان نغير او ان نبدل اجابها محمود عباس ولاحرف واحد وعلى الجميع ان يقبل بهذا وهذا ما كان في نظر اهل اوسلو الذين وقعوا الى جانب وفد الدولة العبرية وبعلم مسبق من بداية المفاوضات للادارة الامريكية (راجع كتاب شيمون بيريز: معركة السلام) . الجبهة الديمقراطية ومعها عدد كبير من فصائل وشخصيات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات, كذلك قوى المعارضة دعت فورا للاستفتاء على اتفاق اوسلو والنزول عند ارادة الشعب الفلسطيني وعقد دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني لمناقشة هذه الاتفاقات والنزول عند ارادة المجلس الوطني الذي تم كسر قراراته التي اتخذناها قبل ايام فقط من مؤتمر مدريد, ومحاسبة الذين عقدوا هذه الصفقة السرية المهينة من وراء ظهور الشعب الفلسطيني ومن وراء ظهر الانتفاضة المغدورة لان شرط اتفاقات اوسلو وقف الانتفاضة واي شكل من اشكال المقاومة المسلحة والجماهيرية للمحتلين والمستوطنين لكن جناح اليمين ويمين الوسط في منظمة التحرير رفض كل هذا ولذا انتقلنا الى مواقع المعارضة الوطنية المستندة لبرنامج منظمة التحرير وقرارات مجلسنا الوطني قبل مدريد بأيام ودعونا كل الشعب الفلسطيني وكل قوى المعارضة والشخصيات الوطنية الى الاتحاد في جبهة متحدة نخوض فيها النضال من اجل تجاوز مظالم اوسلو وتداعياتها وتنازلاتها ودعوة الذين ارتكبوا هذه الخطايا بحق الشعب الفلسطيني والامة العربية وبحق قرارات الشرعية الدولية كي يعتذروا للشعب الفلسطيني والعرب وقوى السلام الشامل المتوازن في الخارطة الدولية, في هذا الميدان تم الاصطدام وبصراعات ذات عوامل لها علاقة بالخارطة الاقليمية العربية والاسلامية الحاكمة التي لها مشاريع اخرى تصب في خانة اتفاقات اوسلو او تعترض نظريا ولفظيا على اتفاقات اوسلو لكنها لاتقوم بأي عمل ضد اتفاقات اوسلو بل تعلن انها لن تقوم باي عمل وفقا ايضا لاتفاقات من وراء الطاولة تمت بين هذه الخرائط الاقليمية العربية والاسلامية المجاورة وبين الادارة الامريكية .هذه لها تأثيرات في الاوضاع الداخلية الفلسطينية ولذلك حاولت ان تمنع اي خطوات جادة باتجاه اعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية على اساس برنامج القواسم المشتركة وتمنع اي خطوة جادة باتجاه معارضة وطنية واقعية ملموسة متحدة او غير متحدة, لتجاوز مظالم اوسلو والمراجعة النقدية الشجاعة لهذه الخطايا, وعليه فان النزاع الفلسطيني ـ الفلسطيني مازال دائرا وسيبقى دائرا الى ان يتمكن الشعب الفلسطيني بقواه الحية من اعادة بناء الائتلاف الوطني العريض بقواسم مشتركة لتجاوز هذه الاتفاقات الظالمة نحو نقلة نوعية استراتيجية نضالية تقوم على انتفاضة جديدة متطورة ضد المحتلين والمستوطنين وعلى استراتيجية تفاوضية جديدة تستند لقرارات الشرعية الدولية بحق شعبنا في تقرير المصير وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين عملا بقرارات الامم المتحدة 242 و 338 و 194 الخاص باللاجئين و 237 الخاص بالنازحين. بدون هذا لن تشهد فلسطين ولا منطقة الشرق الاوسط اي شكل من الامن والاستقرار والسلام, فإما ان يكون هناك سلام شامل متوازن يقوم على قرارات الشرعية الدولية, او ستبقى المنطقة في حالة انفجارات لان الخطوات الجزئية لايمكن ان تحل القضايا الكبرى وستترك دائما الوضع في الشرق الاوسط معرضا للانفجارات باشكالها المتعددة. قلنا اننا نعمل من اجل تجميع قوى في صفوف الشعب الفلسطيني لبناء الوحدة الوطنية والمعارضة الوطنية الواقعية ضد الاتجاهات المقامرة في صف اهل اوسلو التي مثلها ويمثلها جناح في الحركة الفلسطينية والاتجاهات المغامرة اليمينية العدمية التي تكتفي بطرح الشعارات الكبيرة دون اي برامج ملموسة التي يمثلها الاتجاه اليميني القومي الاسلامي السياسي الشعاري الذي لايقدم ايضا برامج عملية ملموسة. نضالات شعب فلسطين والعرب وقوى الخير في العالم تسعى الى سلام شامل اخر متوازن يستند الى قرارات الشرعية الدولية, اما بشأن سلطة الحكم الذاتي فالمشكلة ليست مشكلة افراد, بل مشكلة قوى سياسية لها اتجاه سياسي يقوم على عقد الصفقات الجزئية, وينزل عند الاشتراطات وفق سياسة الخطوة ـ خطوة من اوسلو الى اتفاق الخليل الى اعلان واي بلانتيشن. هذه القضايا لايمكن حلها الا على يد حركة جماهيرية واسعة على الارض وفي الميدان بوطننا المحتل ومخيمات اللجوء والشتات والمهاجر الاجنبية يقف فيها اغلبية الشعب الفلسطيني لتصحيح هذا الوضع.