بعد أكثر من خمسة وعشرين عاما تقريبا, ليس لدينا اليوم سوى 176 محاميا مواطنا, حسب محمد الكيتوب, وكيل وزارة العدل المساعد مؤخرا , من أصل 306 محامين يعملون في الدولة, وهو ما يعني ان هناك شحا في توطين المهنة, وأن المواطنين لا يقبلون عموما على هذه المهنة المربحة, مع ان خريجي كليات الشريعة والقانون تزيد أعدادهم سنويا, ما يمكن مع هذه الزيادة امتصاص نسبة منهم للعمل في المحاماة. غير ان المحاماة مهنة خاصة وحرة, أي قطاع خاص, وربما لهذا السبب يلجأ الخريج الحديث الى العمل لدى الحكومة, اما وكيلا للنيابة أو كاتبا للعدل أو قاضيا تحت التدريب, لأنه يضمن بذلك راتبا شهريا يستطيع ان ينطلق منه إلى حياته العملية والاجتماعية, مقابل مغامرة فتح مكتب أو الانضمام لمكتب محاماة يتكبد من ورائها خسائر وربما دخلا متواضعا. والغريب ان عدد المحامين عموما قليل في الدولة مقارنة بعدد القضايا المتنوعة التي تنظرها محاكمنا سنويا, فالعدد 306 يعني ان هناك محاميا يترافع سنويا عن حوالي 820 قضية, حيث بلغت القضايا التي فصلت فيها محاكم الدولة عام 98 أكثر من 251 ألف قضية, ربما لا يدخل من ضمنها القضايا التي تم الترافع عنها والفصل فيها من المحاكم المحلية التابعة للامارات. هذه الأرقام تعني ان محاميا لحوالي 820 قضية عمل من أعمال البطولة والاعجاز, وما دام في العام حوالي 365 يوما, فإن هذا المحامي مسؤول عن قضيتين إلى ثلاث قضايا كل يوم, يجري خلفها من قاعة محكمة إلى أخرى, ومن مبنى إلى آخر, ويعني أكثر ان مهنة المحاماة مربحة كثيرا, ربما أكثر مما نتصور لأن سوق القضايا في رواج وازدهار, فلماذا لا يتقدم المواطنون اذن من خريجي الشريعة والقانون لملء الفراغ؟ ونعرف انه منذ سنوات حاولت الوزارة عبر قرارات أو قوانين واعطاء مهل للمكاتب الحالية, توطين المهنة, لولا انها اصطدمت بما هو قائم اليوم, أي شح أعداد المواطنين العاملين في المهنة, الى الدرجة التي لو تم فيها تنفيذ قرار التوطين بالكامل لعجت قاعات المحاكم بالقضايا المؤجلة ولتعطلت مصالح الناس, ما جعل الوزارة تتراجع جزئيا عن موضوع التوطين الفوري, باتجاه بدائل, لاشك انها جيدة, وإن كانت تحتاج إلى تسريع أكثر. فهناك مثلا حسبما قرأنا عوامل جذب تستخدمها الوزارة لزيادة أعداد المواطنين في المهنة كمنح المتدرب على المهنة من الخريجين الجدد مكافأة شهرية مجزية علاوة على اختصار فترة التدريب إلى عام واحد بدلا من عامين, فلا يبقى على خريجي الشريعة سوى الالتحاق بالتدريب بكثافة, لأن مهنة المحاماة حسب عدد القضايا تستوعب أعدادا أكثر بكثير من عدد المحامين الاجمالي الحالي, من دون أن يؤثر ذلك على سوق المهنة باتجاه الكساد, فالنقص في المحامين عموما واضح وكبير. وبطبيعة الحال فإن المحاماة تبقى ضلعا من أضلاع مهنة القضاء وتحتاج إلى توطين لما لها من أهمية ولما تشكله من دخل أيضا للمواطنين في حال انخراطهم فيها, مقابل أضلاع أخرى تحتاج إلى توطين أيضا عن طريق تشجيع ودعم المواطنين للانخراط فيها, كالعمل في النيابات المختلفة وفي الاستشارات القانونية وصولا إلى مهنة القضاء نفسها, ما يحتاج مع هذه الرغبة والأهمية إلى توفير الامكانيات المادية تحديدا لتشجيع توطين القضاء وعلى رأس ذلك الرواتب المجزية والمكافآت والتعويضات المناسبة كما هو معمول به في أكثر الدول تحضرا, فقد لاحظنا مؤخرا مع ضعف رواتب القضاة مثلا ووكلاء النيابة وغيرهم هجرة مضادة للمهنة باتجاه مهن أخرى, مع ان المطلوب تشجيع الانخراط في المهنة وإنجاز مهمة التوطين.