لنعد الى السؤال المحوري المطروح: هل يسهم النفط في التغلب على الأزمة الاقتصادية المزمنة في السودان.. أو على الأقل هل يخفف منها.. والى أي مدى ؟ هناك جانبان لاستفادة الاقتصاد السوداني من الانتاج النفطي: الاستهلاك والتصدير. وقد رأينا كيف ان السودان سوف يحقق الاكتفاء الذاتي في المحروقات ــ البنزين والديزل ووقود التوليد الكهربائي, الفيرنس ـ من استخدام ثلث معدل الانتاج الاولي, أي 50 الف برميل يوميا من الخام لاستخراج المحروقات من مصفاتين أقيمتا فعلا. وعلى هذا الأساس توفر الحكومة كلفة استيراد هذه المواد بالنقد الأجنبي, وتبلغ نحو 280 مليون دولار سنويا في المتوسط. أما على الوجه التفصيلي الاستهلاكي فإن ذلك يجب ان يعني نهاية الأزمات المتكررة في وقود السيارات والشاحنات, ونهاية أزمات الانقطاع المتواتر في التيار الكهربائي. كما يجب ان يعني هبوط اسعار البنزين والديزل ورسوم الاستهلاك الكهربائي. اقول (يجب) مستخدما هذه العبارة الحذرة لأنني بينما اكتب هذه المقالة نقلت انباء الخرطوم ان الحكومة رفعت فئات المواصلات العامة بنسب تتفاوت بين 60 في المائة و100 بالمائة. ان فشل هذا التناقض يحد من التفاؤل, ليس تجاه انقشاع الازمة الاقتصادية في حد ذاتها وانما تجاه مدى استعداد السلطة لاستغلال الفوائد الناتجة عن التدفق النفطي لتخفيف المعاناة الجماهيرية, بينما هي فوائد لاشك فيها. فعلى صعيد التصدير النفطي فإن للحكومة نصيبها في العائدات بالنقد الاجنبي التي سوف تجنى من تصدير 100 الف برميل يوميا قابلة للزيادة الى السوق العالمية. وبالطبع فإن اجمالي العائدات النقدية سوف يكون قسمة بين الحكومة وشركات النفط الاجنبية العاملة في المشروع لمدى سنين, الى ان تستعيد هذه الشركات ما انفقته على اعمال التنقيب والتجهيزات زائدا الربح. ومع ذلك فإن نصيب الحكومة من العائدات يجب ألا يستهان به حتى لو تدنت اسعار النفط على الصعيد العالمي, لأن من اهم عناصر ربحية أي مشروع نفطي تصديري كلفة انتاج برميل الخام, ارتفاعا او انخفاضا, وبناء على مصادر الشركات العاملة بأن كلفة انتاج برميل الخام السوداني (مزيج النيل) تبلغ بين ثلاثة واربعة دولارات علما بأن اسعار النفط العالمية, راهنا تتراوح بين 15 و16 دولاراً للبرميل ـ مما يؤدي الى تعظيم العائدات النقدية السودانية, وللمقارنة فإن كلفة انتاج النفط الخليجي تبلغ في المتوسط ايضا نحو ثلاثة دولارات بينما ترتفع كلفة انتاج الخام الامريكي الى 11دولاراً.. وخام بحر الشمال الى 7 دولارات. تأسيسا على ذلك فإن السودان يجب ان يكون موعودا برصيد متنام من النقد الاجنبي يكون وسادة للجنيه السوداني.. افتقدها منذ عام 1978.. العام الذي جرى فيه اول خفض رسمي لقيمة الجنيه بناء على (روشتة) صندوق النقد الدولي, ومع افتراض توفر هذه الوسادة فإن اسعار صرف الجنيه سوف تتحسن او على الاقل تحقق ثباتا, وبالتالي يأخذ سعر الدولار الامريكي في الانخفاض مقابل الجنيه.. مما يجب ان يؤدي الى كبح جماح النمو التضخمي. يجب ايضا ان تنخفض كلفة الانتاج الزراعي مع وفرة وقود الديزل, لأن الديزل في هذه الحالة يعتبر من مدخلات الانتاج... فهو الوقود الذي تعتمد عليه طلمبات الري في مناطق الزراعة المروية... بالتالي يجب ان يرتفع الانتاج الزراعي كما ونوعا. أعود لأحذر من الافراط في التفاؤل, فالفوائد التي استعرضتها مبنية على حقائق ومؤشرات اقتصادية صرفة ولا تأخذ في الاعتبار ما يطويه الغيب. و الغيب في هذه الحالة هو احتمال ان تجنح الحكومة الى سياسات قد تذهب بالثمار... ومن ذلك مثلا فرض ضرائب جديدة او رفع رسوم استهلاكية.