في اللحظة التي انتهى فيها (عبدالناصر)من القاء بيان التنحي في غروب يوم 9 يونيو ,1967 انطلقت أصوات المدافع المضادة للطائرات, فملأت سماء القاهرة, وتعاونت مع المغزى العام للبيان في اقناع الناس بأن كل شيء قد ضاع , فارتفعت صرخات الأطفال الخائفين من المستقبل لتختلط بنهنهات النساء ونشيج الرجال الباكين على المجد الضائع. أما انا فقد استسلمت لمشهد طلقات المدافع التي كانت تنثر شظاياها في مسطح المساء, على ارتفاع أقل من المعتاد, فرفعت رأسي أبحث عن الهدف الذي تطارده.. ورفضت كل محاولة لاقناعي بترك الشرفة حتى لا تصيبني شظية طائشة.. ولعلي ــ دون وعي مني ــ كنت أتمنى ان يحدث ذلك. وأدهشني ان كثيرين في الشارع تحت شرفتي كانوا يفعلون ما أفعل.. وان أحدا من الناس لم يفكر في ان يستتر مدخل بناية, أو وراء حاجز من عشرات الحواجز التي كانت قد بنيت على عجل خلال الأيام العشرين التي تصاعدت خلالها الأزمة توقيا لخطر الشظايا. ولا أحد حتى اليوم يعرف سبب اطلاق المدافع المضادة للطائرات في اللحظة التي انتهى فيها عبدالناصر من القاء بيانه: قيل ان طائرات اسرائيلية قامت بغارة على العاصمة في ذلك التوقيت تشفيا في سقوط (عبدالناصر) . وقيل ان المؤسسة العسكرية بقيادة المشير (عبدالحكيم عامر) أرادت ان ترهب الناس حتى لا يتظاهروا ضد قرار التنحي, وربما أرادت ان توهمهم بأنها لاتزال تحارب. أما المؤكد فهو ان هذه الطلقات, كانت العامل الأساسي الذي استنفر في الناس مشاعر التحدي والمقاومة, فاذا بالحشد الذي كان ينظر الى السماء مذهولا ودامعا, يصرخ هاتفا, ويلوح بأيديه, وكأنه يطارد بهتافاته تلك الطائرات المغيرة, واذا به يختار من بين كل الكلام الذي يمكن ان يهتف به في تلك اللحظة, نشيدا من أناشيد المعركة كان (عبدالرحمن الابنودي) قد كتبه, وغناه (عبدالحليم حافظ) وأذيع للمرة الأولى قبل أيام, ثم وضع في المستودع, فلم يعد أحد يسمع به منذ ذلك الحين.. وهكذا ارتفعت الاصوات تهتف: ولا يهمك يا ريّس م الامريكان يا ريس.. دا الصبر قاد حرايق.. جوّة صدور الخلايق.. ما يصنع الحقايق.. الا عبور المحال. وما لبثت أصوات الهتافات ان علت فوق أصوات المدافع, وتوافد الباكون والصارخون من الرجال والنساء والولدان الى شرفات المنازل ليشتركوا مع الهاتفين في مطاردة الطائرات والمدافع, ليختفي الاثنان فلا يبقى الا صوت الشعب, الذي اكتشف ــ في لحظة أشبه بالالهام ــ ان الهزيمة الحقيقية ليست فيما حدث.. ولكن في ان يحدد له الامريكان سياسته ويختار له الاسرائيليون رئيسه. من كل الشوارع المحيطة بالمنزل, والبعيدة عنه, توافد الناس بالآلاف في مسيرات تقود نفسها بنفسها.. لا يحدوها أحد بهتاف, ولا يدلها أحد على طريق.. فهي تسير وهي واثقة ان رسالتها ستصل الى (عبدالناصر) حيث يكون: تحولت المدينة كلها الى فم يهتف: ولا يهمك يا ريّس م الامريكان يا ريّس. أخذت أتردد بين الشرفة وداخل المنزل, أرد على هواتف يسألني أصحابها عما يحدث عندي وأسألهم عما يحدث عندهم, فأكتشف ويكتشفون انه نفس الشيء, وأسمع ويسمعون نفس الهتاف.. واتصل بمن أعرف من الاصدقاء في دور الصحف بحثا عن أخبار: (المشير عبدالحكيم عامر) سيذيع بيانا الآن. (زكريا محيي الدين) سيذيع بيانا يعلن فيه رفضه الحلول محل (عبدالناصر) . اذاعة (دمشق) تتحدث عن استمرار المعارك في الجبهة السورية.. نقلت التلفزيون والتليفون والراديو الى الشرفة, اسمع واتكلم واهتف مع المسيرات التي تتدفق على الشارع: ولا يهمك يا ريّس م الأمريكان يا ريّس. فيما بعد قال لي صديقي (سعد زهران) , وهو كاتب ومفكر سياسي من رواد الحركة الاشتراكية في الاربعينات: ــ في ليلة 9 و10 يونيو 1967.. لم يكن للبلد رئيس أو حكومة أو جيش أو بوليس.. ولم يكن فيها مسؤول في موقعه, أو يستطيع ان يصدر قرارا, أو يحدد سياسة.. فقد كان الجميع منهارين تماما.. وكان باستطاعة أي مخرب ان يشعل الحرائق, وأي مغامر ان يقفز على السلطة ويتولى الحكم ويذيع البلاغ رقم واحد.. لكن أحدا لم يفعل شيئا من ذلك.. بل ان النشالين واللصوص أضربوا عن العمل في هذين اليومين.. وفي صباح يوم 11 يونيو ,1967 كان الجميع في الاماكن التي يتوجب عليهم ان يكونوا فيها.. استأنف الجميع أعمالهم بهدوء ونظام وانضباط.. ذلك سلوك لا يمكن ان يصدر الا عن شعب متحضر.. منظم.. يستطيع في أكثر اللحظات تشوشا وارتباكا ان يستلهم روحه.. وان يستفتي قلبه فيدلانه على التصرف السليم. وذات يوم من سبتمبر ,1981 وفي زنزانة جمعتني بالمرحوم (محمد عبدالسلام الزيات) الذي كان واحدا من أقرب المعاونين للرئيس السادات منذ كان رئيسا لمجلس الامة في الستينات ــ قال لي ان (السادات) كان قد دعاه الى منزله لكي يستمع معه الى خطاب التنحي.. ودهش (الزيات) بعد ان استمع للخطاب, لأن (السادات) كان يعرف مضمونه.. ومع ذلك لم يخطره به.. وسأله: ناوي تعمل أيه؟.. قال (السادات) : العمل عمل ربنا.. قال (الزيات) : ونعم بالله.. ولكنك رئيس مجلس الأمة.. والرجل الثاني في البلاد.. عاوزني أعمل أيه. قال (الزيات) : المفروض دستوريا ان الاستقالة التي قدمها الرئيس موجودة اليك.. ولابد من دعوة المجلس لاجتماع طارىء الليلة لننظر في الاستقالة. قال (السادات) : ليس لدي توجيهات بذلك. قال (الزيات) : توجيهاتك تأخذها من الشعب. وكان الناس لايزالون يهتفون: ولا يهمك يا ريّس م الامريكان يا ريّس! في اليوم التالي كنت في زحام المظاهرات التي ملأت شوارع المدينة.. ولم يكن لدي شك في ان من بين الزحام المحيط بي, كثيرين جرح (عبدالناصر) قلوبهم.. أو أضر بمصالحهم, أو قصّـر في اعطائهم كل حقوقهم.. فقد كنت أنا نفسي شاهدا على ذلك.. إذ لم يكن قد مضى على مغادرتي المعتقل سوى أسابيع.. ولم تكن الجراح التي تركتها السياط على جسدي وقلبي قد اندملت بعد, وكنت مفصولا من عملي بقرار يحمل توقيعه وشبه جائع.. لكني نسيت كل ذلك, وأخذت أهتف مع الآخرين, حتى بحّ صوتي: ولا يهمك يا ريّس.. م الامريكان يا ريّس! وكان الناس يملأون ارجاء الميادين, في انتظار موكب (عبدالناصر) الذي كان قد أصدر في منتصف الليلة السابقة بيانا يعلن فيه انه سيتوجه الى مجلس الأمة, ليعرض أمامه, ويناقش معه, حيثيات قراره بالتنحي.. وتجمع دوائر منهم, حول اشخاص يملون عليهم ارقام لوحات معدنية لسيارات.. واقتربت من احدى هذه الدوائر, وسألت عن الموضوع.. فقال لي أحد الواقفين: هذه أرقام لوحات معدنية لسيارات مدنية وعسكرية مصرية استولى عليها الاسرائيليون, وتسللوا به الى داخل البلاد.. والمطلوب من المواطنين عند العثور على احداها القبض على من فيها وتسليمهم الى أقرب مركز للشرطة. وأخرجت من جيبي ورقة وقلما.. وأخذت استملي الارقام.. بينما كان آخرون يستوقفون السيارات التي تتشابه أرقامها مع الارقام التي معهم, ويسألون ركابها عن هوياتهم. وبعد لحظات كان الراديو يذيع بيانا يطلب فيه من الناس عدم التعرض للسيارات, وترك الأمر كله للسلطات المسؤولة.. فاستجابوا لما طلب منهم بسرعة أذهلتني. وعادوا ينتظرون موكب (عبدالناصر) الذي لم يستطع ان يغادر منزله بسبب ازدحام الشوارع, فأرسل الى مجلس الأمة بيانا يعلن فيه عدوله عن التنحي مؤقتا, الى الوقت الذي يستطيع فيه, بمعونة الجيش والشعب, ازالة آثار العدوان, فيعود الأمر كله وقتها للشعب. فيما بعد.. تأملت ما فعلته, وما فعله الناس خلال هذين اليومين ليس في مصر وحدها, ولكن في كل أنحاء الوطن العربي, فأدركت الحقيقة, فالشعب يعرف وجه أبطاله, ويفهم التاريخ على نحو يختلف عن بعض هؤلاء المؤرخين الذين يفهمونه ويفسرونه بمنهج البقالين, وبدفتر الوارد والمنصرف.. ولذلك فهو لا يحكم على أبطاله بخطأ أو هزيمة في معركة.. ولكن بالمحصلة النهائية لما أدوه.. ومدى تعبيرهم عن ارادته.. كان (عبدالناصر) هو كبرياء أمة وتحدي شعب, واعتزازه بنفسه.. كان الاستقلال الوطني والمد القومي والتنمية الاقتصادية وكسر احتكار السلاح وباندونج وتأميم القناة والسد العالي والعدل الاجتماعي الذي حطم الهرم الطبقي الحديدي الذي كان يجعل الفقر ارثا والغنى ارثا.. وكان القائد الذي ألهمت مبادراته الثورية العالم.. وأسست تيارا وطنيا معاديا للاستعمار في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية, فانهارت امبراطوريات.. وتراجعت سياسات.. وتغير وجه المعمورة. لم يكن ما فعله الشعب يومي 9 و10 يونيو ,1967 دفاعا عن شخص (عبدالناصر) أو تمسكا بقائد مهزوم, أو تعبيرا عن فقدان الوعي, ولكنه كان دفاعا عن كرامة الأمة ورفضها للهزيمة وللاستسلام للاعداء. وفي قصيدته (زيارة الى ضريح عبدالناصر) لخص (أحمد فؤاد نجم) ــ وكان مثلي من معارضي (عبدالناصر) في حياته ــ نظرة الشعب الى (عبدالناصر) وفسر لي ذلك, ما فعلته, وما فعله الناس على امتداد الأمة العربية يومي 9 و10 يونيو 1967.. قال: فلاح قليل الحيا

اذا الكلاب عادت

ولا يطاطيش للعدا

مهما السهام صابت

عمل حاجات معجزة

وحاجات كتير خابت

وعاش ومات وسطنا

على طبعنا ثابت

وان كان جرح قلبنا

كل الجراح طابت

ولا يطولوه العدا .. مهما الامور جابت

وذلك هو ما حدث: خرج الناس ليتمسكوا بالرجل الذي ناب عنهم ورفض دائما المطاطية للعدا.. فألف رحمة ونور على ذلك الزمان البعيد, الذي كانت فيه (المطاطية للعدا) عارا!