عالج اتفاق التسوية حول كوسوفو مظاهر الازمة الاخيرة واعراضها الخارجية فقط, لكنه اهمل التعامل مع جذورها ودوافعها الدفينة الغائرة في تضاعيف العقل الصربي , اعاد الاتفاق الاوضاع الى ما كانت عليه في الاقليم قبل الغاء الحكم الذاتي فيه من جانب القيادة الصربية عام 1998 ولما كانت هذه الصيغة قد تمت بفعل القوة فانه لاتوجد ضمانات تحول دون تجدد الازمة في وقت لاحق قريبا او بعيدا. اغارت القيادة الصربية على ألبان كوسوفو ساعية لاستئصالهم والحاق اراضيهم بصربيا الكبرى في ظروف يبدو انها لم تكن مناسبة الامر الذي افشل مسعاها ويعود هذا المسعى الذي تكرر لاكثر من مرة خلال هذا القرن الى اسباب تتصل بالثقافة السياسية الصربية ونظرتها الى مستقبل كوسوفو باكثر مما تتصل بنوازع الزعيم الصربي (ميلوسيفيتش) الشخصية ولهذا بالضبط تنطوي التسوية الحالية على مؤاخذات تشكك في ديمومتها. فطالما ثبت استحالة التعايش الصربي الالباني في كوسوفو فقد كان المطلوب هو العمل على استقلال الاقليم اما وقد اثرت القوى الدولية المهيمنة والمتداخلة في مسار الازمة العدول عن هذا البديل فان من عوامل استقراره, الاتجاه الى تغيير الثقافة السياسية للصرب, وبذل جهود للتأثير على الطابع القومي للشخصية الصربية, بهدف تسكين مجموعة من القيم الايجابية حول التعامل مع الاخرين ـ الالبان هنا ـ ونزع الابعاد التعصبية والانتقامية من هذه الثقافة. يشير تعبير الثقافة السياسية عموما, الى منظومة معنوية من المعارف والرؤى والافكار والاتجاهات السياسية التي تتصل بالنظام السياسي في الداخل وكيفية تسيير المعاملات والعلائق مع الاخرين والنظرة اليهم في الخارج, ويكاد ينعقد الاجماع على ان هذه الثقافة يمكن ان تكتسب بالتلقين عبر دوائر التنشئة المختلفة (البيت, المدرسة, والجامعة, دور العبادة, وسائل الاعلام, الجيش, مصادر الاداب والفنون) ولذلك فان سماتها ليست قدرا مقدروا بل عرضة للتغيير وللانقطاع واتخاذ مسارات مختلفة. والواقع ان الحكم على الثقافة السياسية للصرب من منظور سلبي لاسيما لجهة رغبتهم في الثأر التاريخي من البوسنيين والكروات والالبان من حولهم, لايعني التقليل من قيمة الصرب جميعا فقد ترتد هذه السمات السلبية لتأثير النخب الحاكمة حدث شيء من هذا بين يدي النظامين النازي والفاشي في المانيا وايطاليا وكذا في زمن حكم العسكر في اليابان قبيل الحرب العالمية الثانية. في هذه النماذج الثلاثة, اتجهت القوى الحليفة المنتصرة في تلك الحرب, الى محاولة تعديل الثقافة العدوانية التي بثتها النخب, ولم يتم الاكتفاء بدحر تلك النخب ونظمها عسكريا, وكانت الحكمة من هذا السلوك ضرورة ملاحقة القيم والافكار المنتجة للاتجاهات العدوانية والانتقامية عند الجذور وتقديرنا ان تلك المحاولة نجحت الى حد كبير ولا نقول كليا, كون التحول الثقافي عملية مضنية ممتدة, ونسبية الحكم على نجاح الحلفاء في اطار النماذج المذكورة تستند الى ماهو ملاحظ من ديمومة وجود تيارات عدوانية لدى جماعات معنية هناك (كالنازيين الجدد في المانيا) بشيء من التأمل يمكن تطبيق المنهجية ذاتها على الحالة الصربية لقد انهزمت النخبة الحاكمة الان هناك على الصعيد العسكري وهي مضطرة جبرا حتى افق زمني يصعب تحديده, الى الانكماش بافكارها وميولها الاستعلائية والتوسعية ازاء كوسوفو (والبوسنة ايضا) بيد ان اقرار السلم في كوسوفو يحتاج لما هو ابعد واعمق تأثيرا من كسر شوكة النظام الصربي عسكريا, فالمحددات التي قادت الى هذا الانكسار عرضة للتبدل, واهم هذه المحددات عملية التلاقي بين مصالح الناتو (الولايات المتحدة اساسا) ومصالح البان كوسوفو في سياق الازمة الاخيرة. نريد القول ان المصالح متغيرة والسياسات ايضا, وليس ثمة مايحول دون تجدد موجات العدوان الصربي ضد الكوسوفيين الالبان في اطار محددات مؤاتية للقيادة الصربية في لحظة تاريخية مختلفة وعندئذ سنواجه النتائج متباينة عما عرفنا في معمعة الازمة الاخيرة, وقد يخرج الطرف الكوسوفي بافدح الاضرار علما بأن هذا الطرف تضرر بشدة هذه المرة ايضا, على الرغم من التسوية الجارية. لهذا فإن من يعطفون على سلم حقيقي بين الملل والنحل داخل يوغسلافيا السابقة, ربما يتعين عليهم التعامل مع الثقافة السياسية الصربية, ومعالجة العلل والامراض الكامنة في تضاعيفها تماما كما حدث في المانيا وايطاليا واليابان. ولم تكن هذه المهمة سهلة بالنسبة لهذه النماذج وهي في الحالة الصربية تبدو اكثر مشقة, فالتأثير في مضامين الثقافة السياسية يحتاج الى التحكم في دوائر تكوينها الاولية, والسيطرة على مداخلها, ان المعركة في هذا الجانب تدور على ساحة العقل والوجدان وهي مناطق لاتبدو في متناول اليد, رغم انه يمكن التعامل معها عن بعد, وقد توفرت بعض سبل هذا التعامل من خلال السيطرة الخارجية الكاملة تقريبا على كل من المانيا واليابان بعد الحرب الثانية, فإين هذه الخاصة من الحالة الصربية؟ بعبارات اخرى, هناك حاجة ملحة لاحداث تحول في الثقافة السياسية الصريبة لكن هناك في الوقت نفسه, غياب في القدرة على ايجاد مداخل لتطبيق هذه الحاجة, المدخل الوحيد المتاح حاليا هو الضغط الخارجي على نظام ميلوسيفيتش لعزله وابراز سوءاته وخطورة الخطاب السياسي الذي يحرك سلوكه اما التجاوز الى معالجة البيئة السياسية التي انتجت هذا الخطاب التدميري, فمسألة تعز على القوى الخارجية لبعدها عن الساحة الصربية من الداخل. بسبب هذا الاعتبار بالذات فان الاتفاق الاخير حقق (تسوية ما) لقضية كوسوفو اما السلام الحقيقي بين فرقاء القضية الاساسيين فأمر يبدو بعيد المنال.