بعد مرور قرابة شهر على اعلان نتائج انتخابات الكنيست الاسرائيلي الخامسة عشرة, والتي شارك فيها 33 حزبا, وبعد انتهاء موجة التحليلات والتفسيرات لدلالة تلك النتائج على خريطة الحياة السياسية في إسرائيل والتوازن الحزبي فيها, والتي تسرع بعضها في الوصول الى استخلاصات بشأن دلالة تلك النتائج مثل الحديث عن انهيار اليمين الاسرائيلي وان اتجاه صعوده الذي تبلور منذ نهاية السبعينات قد اصيب بنكسة تمثلت في حصول الليكود على 19 مقعدا مقارنة بعدد 32 مقعدا في انتخابات 1996 فهل انهار اليمين الاسرائيلي فعلا؟ وهل تعكس نتائج الانتخابات الاسرائيلية تغييرات هيكلية في الحياة السياسية الاسرائيلية؟ ام انه يمكن تفسيرها على ضوء ظروف وتغيرات طارئة ووقتية؟ والعامل الاساسي الذي يفسر نتائج انتخابات 1999 هو التغيير الذي حدث في نظام الانتخابات والذي ميز بمقتضاه بين انتخابات شخص رئيس الوزراء وبين انتخاب اعضاء الكنيست, فحسب النظام الذي كان متبعا منذ عام 1948 كان المرشح لمنصب رئيس الوزراء هو الشخص الذي حصل حزبه على اكبر عدد من المقاعد في الكنيست, وترتب على ذلك تبلور حزبين كبيرين وادراك الناخب ان تصويته للكنيست هو ايضا اختيار لشخص رئيس الوزراء وبتعديل هذا النظام, تم الفصل بين عملية انتخاب رئيس الوزراء, وانتخاب اعضاء الكنيست ولم يعد الناخب مضطرا لاعطاء صورته لاحد الحزبين الكبيرين, واصبح بإمكانه ان يختار الشخص الذي يريده رئيسا للوزراء من ناحية, وان لايعطي صوته لحزب هذا المرشح في انتخابات الكنيست من ناحية اخرى وهذا هو مايفسر تقلص وزن الحزبين الكبيرين لصالح الاحزاب الصغيرة. ففي انتخابات 1996 حصل كل من العمل والليكود على 65 مقعدا, بنسبة 54% من جملة المقاعد بينما حصل الحزبان في انتخابات 1999 على 46 بنسبة 38% كما ان ما حصل عليه الحزبان في انتخابات 1996 قد تقلص بكثير عما حصلا عليه في الانتخابات السابقة, وعلى سبيل المثال فقد خسر حزب العمل 10 مقاعد في انتخابات 96 مقارنة بانتخابات 1992. وهذا التمييز من انتخاب رئيس الوزراء وانتخاب اعضاء الكنيست, وهو ما وصفه بعض المحللين بتعبير (تقسيم الانتماء السياسي) هو ما سمح بصعود حزب شاس والذي يعبر عن اليهود المتدينين (الحريديم) بالمعنى الديني الاصولي, فقد زاد نصيب هذا الحزب من 6 مقاعد في عام 1992 الى 10 عام 1996 الى 17 في عام 1999 وهذا الحزب لايؤمن بالصهيونية وانما ينتظرون (المسيح المخلص) ويسعون من خلال نشاطهم السياسي الى تهيئة الظروف لحكم التوارة ورغم تطرفهم الديني الاصولي ورفضهم لمؤسسات الدولة الاسرائيلية باعتبارها مؤسسات غربية اشكنازية, فالمحكمة الدستورية العليا يطلقون عليها تهكما اسم (المحكمة السفلى وفي تعليق الحزب على الحكم الذي اصدرته المحكمة ضد زعيمهم السياسي اتهم المحكمة بمخالفة الشريعة اليهودية لانها اعتمدت على اقوال شاهد واحد فقط وليس اثنين كما تنص الشريعة, وعلى ذلك لايمكن اعتبار هذا الحزب ضمن جناح اليمين السياسي المتطرف ذلك ان مواقفه تجاه عملية التسوية السلمية تفاوتت حسب الظروف, فنوابه في الكنيست تحفظوا على اتفاقية اوسلو الاولى, ورفضوا اتفاقية اوسلو الثانية, في الوقت نفسه الذي كان فيه الحزب مشاركا في الحكومة الائتلافية لاسحاق رابين, ولزعيمهم الديني عوفاديا يوسف اجتهادات متميزة مثل فتواه الخاصة بان (الجولان ليست جزءا من ارض اسرائيل المقدسة) وعندما سئل مرة عن الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية والثمن البشري المرتبط بذلك كان رأيه ان سلامة الانسان اليهودي والحفاظ على حياته اهم من الاحتفاظ بالارض. وفي تفسير التحول في ميزان القوى بين الحزبين الكبيرين ـ العمل والليكود ـ تظهر اهمية ما يسمى بالمحبطين سياسيا في اسرائيل والذي يسعى كل من الحزبين الكبيرين الى كسب تأييدهم ففي عام 1997 قاد بيجين الليكود الى الحكم لاول مرة منذ قيام اسرائيل واجتذب الى صفوفه كل القوى المحبطة او الرافضة لهيمنة حزب العمل والمؤسسة الاشكنازية على السلطة ووعدهم بأن حكومة الليكود سوف تهتم برفع مستوى معيشتهم وتوفير فرص الحياة الكريمة التي حرموا منها في عهود حكم حزب العمل. وفي انتخابات 1992 اتبع رابين استراتيجية مضادة وذلك بمخاطبة تلك الفئات المحبطة في مستوطنات الحدود ومدن التنمية الفقيرة موضحا لهم ان كل ما وعدهم به الليكود لم يتحقق, وكان تصويت جزء كبير من هؤلاء, علاوة على مشاركة المهاجرين الروس لاول مرة وتصويت مايزيد على 90% منهم لحزب العمل, كافيا لضمان وصول حزب العمل ورابين الى السلطة واعاد التاريخ نفسه في انتخابي 96 و 1999 ففي الاولى سعى الليكود لاستعادة المحبطين من اليهود الشرقيين والمهاجرين الجدد الروس, واعدا اياهم بتحسين ظروف معيشتهم, وهو ما قام به باراك بشكل معاكس عام 1999 بتركيزه على الظروف الاقتصادية الداخلية وتراجع معدل نمو الاقتصاد وتناقص الاستثمارات الاجنبية وازدياد نسبة البطالة. واذا حللنا تصويت اليهود في انتخابات 1999 يتضح بجلاء ان الحديث عن انهيار اليمين الاسرائيلي لاسند له ففي انتخابات رئيس الوزراء حصل باراك على 51.5% من اصوات الناخبين اليهود مقارنة بنسبة 48.5% مما يبين انقسام المجتمع اليهودي بفارق 3% لصالح احد المرشحين وان الذي رجح كفة باراك هو تصويت غير اليهود. والخلاصة ان نتائج الانتخابات الاسرائيلية لهذا العام لاتشير الى تغيرات بنيوية او طويلة المدى وان المؤشرات التي تعكسها لها مقدماتها في انتخابات 1996 وربما ماسبقها مثل تراجع الوزن النسبي للحزبين الكبيرين, وتزايد التأييد الانتخابي لحزب شاس وتزايد دور اليهود الروس الذين يصل عددهم الى حوالي 800 الف او قرابة 14% من حجم الهيئة الناخبة, وحصول الحزبين المستندين عليهما على 11 مقعدا اي حوالي 9% من عدد مقاعد الكنيست. ولكن ماذا عن المستقبل وهل يمكن ان تكون نتيجة الانتخابات القادمة تأكيدا لتلك الاتجاهات؟ سوف تتوف الاجابة على نظام الانتخابات الذي سوف يتبع في المرة القادمة فاذا استمر النظام الجديد والذي يفصل بين انتخابات اعضاء الكنيست, وانتخاب رئيس الوزراء, فانه يمكن لتلك الاتجاهات ان تتكرس وان يكون من شأنها اعادة رسم خريطة التوازن الحزبي في اسرائيل بما في ذلك ازدياد مركز حزب شاس وهو الامر الذي طرح على بساط البحث في اسرائيل فكرة العودة الى تطبيق النظام الانتخابي القديم والذي كان يعطي وزنا متميزا لدور الحزبين الكبيرين, وبالفعل, فقد طرح ذلك في الكنيست السابق وتم اقرار التغيير من حيث المبدأ ولكن الاجراءات التشريعية اللازمة لاصدار القانون لم تكتمل وفي تقديري ان شكل نظام الانتخابات سوف يكون اهم العناصر المؤثرة على نتائج الانتخابات القادمة.