العشوائية لا تفرز سوى الخلل والأخطاء, والتجاوزات لا تؤسس سوى لمنطق مغلوط ومعوج, وما أصعب ان تتصالح المجتمعات مع الأخطاء والخلل , ويبقى السؤال: على من تقع المسؤولية حينما تترك المجتمعات للعشوائية ان تؤسس واقعها ومنطقها وان تفرضه بالقوة وان تتباهى به أيضا, نريد ان نعرف على من نلقي مسؤولية عشوائية استقدام العمالة الأجنبية, وعشوائية التخطيط التربوي التعليمي وعشوائية السياسات الاعلامية, وعشوائية خطط التنمية البشرية, وعشوائية مسيرة التعليم العالي الخاص منه تحديدا؟ ان منظومة العشوائية ــ اذا اعتبرنا ان للعشوائية منظومة ـ في المجتمع نمت مستغلة ظروف النشأة الحديثة للدولة, وما صاحب هذه النشأة من طموحات ضخمة لدى أصحاب القرار, ما أدى إلى محاولة ترجمة الطموحات إلى واقع وفق ما عُرف ببرامج التنمية والبناء وتشييد البنية التحتية, والقفز بعد ذلك وترتيبا عليه, من مجتمع الفاقة إلى مجتمع الغنى, ومن اقتصاد الكفاف إلى اقتصاديات السوق, وفي ظل الكثير من التخبط والاندفاع تم تجاوز الكثير والقفز على العديد من المراحل فتناسلت من عشوائية البداية عشوائيات لا حصر لها, نعاني منها اليوم الكثير. احدى العشوائيات التي يجري بحثها والحديث عنها بجدية ووعي ما يطلق عليه (التعليم العالي الخاص) المتمثل في هذه الجامعات والمعاهد والكليات التي تناسلت على أرض الدولة بشكل غير مسبوق وفي فترة زمنية قصيرة, وفي ظل تجاوز دستوري واضح تحتاج إلى وقفة ومراجعة وتقنين, فليس كل الموجود مطلوبا أو ضروريا, كما ان ليس كل ما يلمع ذهبا! وبعيدا عن اعتراف وزارة التعليم العالي وموقفها من هذه المعاهد والجامعات, فإن هناك عددا منها ذا مستوى وكفاءة وامكانيات عالية جدا وأظن ان أمر ترخيصه قد يكون مسألة وقت لا أكثر. لكن السؤال الأكثر أهمية هنا: هل تحتاج الدولة فعلا لكل هذا العدد الكبير من الجامعات والكليات الخاصة والتي بلغ عدد غير المرخص منها أكثر من 30 مؤسسة بين جامعة ومعهد وكلية؟ وإذا استثنينا بعض المعاهد والكليات التقنية عالية الكفاءة والتي تلبي احتياجا فعليا لتوجهات السوق نحو استيعاب العمالة الشابة المؤهلة تكنولوجيا كمعهد الدراسات المصرفية, ومعهد الدراسات التطبيقية مثلا, فما ضرورة الكم الباقي والذي لا يتعدى الدراسات النظرية البحتة التي تتوفر في الجامعات الرسمية الحكومية؟ ألا يعني ذلك نوعا من الازدواجية التنافسية غير المطلوبة للتعليم العالي العام؟ ألا يفتح ذلك الأمر الحديث على مصراعيه لبحث منطق الربحية في توجهات القائمين على افتتاح هذه المؤسسات؟ قضية أخرى تحتاج إلى مناقشة أيضا وهي ان هذه المؤسسات غير المرخصة من قبل التعليم العالي وغير المدعومة من الحكومات المحلية تتوجه بخدماتها إلى أبناء الجاليات العربية بنسبة ربما 90% من خدماتها, فكم سنحتاج من الجامعات والمعاهد لتلبية احتياجات الجاليات الأخرى من الجنسيات غير العربية وعددها يتجاوز الـ30 جنسية إذا ظل الأمر عشوائيا, وليتذكر الجميع ذلك الخبر الذي نشر الاسبوع الماضي, وهو يشكل مفارقة صاعقة في جوهره حيث ينص على ان احدى الولايات الهندية قد قررت الاعتراف بجامعة هندية مزمع افتتاحها في الامارات!! فإذا كان افتتاح جامعة أو معهد أو كلية بدون إذن من وزارة التعليم العالي يعد تجاوزا دستوريا فماذا يعني اعتراف دولة أجنبية بجامعة تابعة لها مزمع انشاؤها في الامارات بغض النظر عن موافقة سلطات الامارات أم لا؟ أي نوع من التجاوز يمكن أن نسمي ذلك؟ ألم نقل ان العشوائية تتناسل بشكل مرعب؟ وواضح ان عشوائية التركيبة السكانية قد أفرزت عشوائية لا تقل خطورة وان جاءت تحت ذرائع احتياجات أبناء الجاليات المقيمة. فإن هذه حجة لا يمكن قبولها على علاتها أبدا.