بحلول منتصف يوليو تستقبل سوق النفط العالمية خام (مزيج النيل) السوداني لينضم إلى خام (دبي الخفيف) وخام (برنت) البريطاني وخام (غرب تكساس) الأمريكي وغيرها من خامات الدول المصدرة للنفط . أجل, السودان صار, لأول مرة في تاريخه دولة منتجة للنفط. والسؤال المطروح هو: هل يسهم الانتاج النفطي في التغلب على الأزمة الاقتصادية المزمنة.. وإلى أي مدى؟ تاريخ التنقيب عن الهيدروكربونات في السودان يعود إلى سنوات الاستقلال الأولى عند أواخر الخمسينات عندما منحت شركات أمريكية وبريطانية تراخيص لاجراء مسوح زلزالية في مناطق ساحل البحر الأحمر لكن العمليات لم تسفر عن نتيجة. وفي عصر الرئيس نميري بدأت مرحلة تالية حيث حققت شركة (شيفرون) الأمريكية كشفا نفطيا في اقليم أعالي النيل الجنوبي المتاخم للأراضي الشمالية. لكن الشركة تلكأت في عملياتها بحجة عدم استتباب الأمن بسبب القتال بين قوات الحكومة وقوات قرنق, كان ذلك في أواخر سنيّ عهد نميري, أما في العهد الحزبي الذي تلاه فقد توقفت الشركة عن أعمالها نهائيا. مرحلة الانتاج النفطي الفعلي التي نعيشها الآن بدأت في مطلع التسعينات, وهي مرحلة تختلف عن عهد (شيفرون) من ناحيتين: من الناحية الجغرافية فإن منطقة الانتاج النفطي الرئيسية تقع في غرب السودان وليس في الجنوب (مع استمرار العمل في المنطقة الجنوبية كمنطقة ثانوية) ومن الناحية التمويلية والتكنولوجية فان الفراغ الذي تركته (شيفرون) الأمريكية ملأه (كونسورتيوم) آسيوي كندي سوداني. الآن اكتملت الاستعدادات الفنية لضخ النفط الخام في حقول (هجليج) الواقعة في اقليم كردفان الغربي. ويتكون (الكونسورتيوم) من شركة النفط الوطنية الصينية وشركة (بتروناس) النفطية الماليزية وشركة كندية بالاضافة إلى شركة النفط السودانية الجديدة المعروفة باسم (سودابت) . وفي حقول (هجليج) في كردفان يتدفق النفط الخام (مزيج النيل) في خط أنابيب عملاق يشق طريقه في أواسط السودان لمدى 1610 كيلومترات لينتهي الى ميناء التحميل ... ميناء (بشاير) (سواكن سابقا) على ساحل البحر الأحمر, ومن هناك ينتقل الى سوق النفط العالمية. وقد اكتمل بناء الخط تقريبا. ماهو معدل الانتاج اذن؟ كمرحلة اولى يبلغ معدل الضخ 150 ألف برميل من الخام يوميا... يزداد بالتدرج المبرمج الى ثلاثة أضعاف ليبلغ 450 الف برميل يوميا خلال سنتين. هنا نعود الى السؤال الاصلي: ماهي القيمة الاقتصادية لهذا الانتاج النفطي؟ لنستذكر اولا ان الكميات المنتجة, حتى بالمعدل الاستهلاكي المذكور, ليست كلها للتصدير, فثلث الكميات بالمعدل الانتاجي الاولي سوف تحتجز لاغراض الاستهلاك الداخلي... اي بمعدل 50 الف برميل يوميا. ولهذه الغاية انشئت مصفاتان, احداهما في الغرب (مدينة الابيض) والثانية في الوسط (منطقة الجيلي قرب الخرطوم). وبمعدلات الاستهلاك الراهنة فإن 50 الف برميل يوميا من الخام تحقق الاكتفاء الذاتي من المنتجات النفطية المكررة: البنزين والديزل و(الفيرنيس) (الذي يستخدم في محطات التوليد الكهربائي). وتبقى مائة الف برميل يوميا هي الكمية المعدة للتصدير... لترتفع بالتدرج الى مستوى 450 الف برميل يوميا. ولانزال بسبيل فحص الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع بشقيه التصديري والاستهلاكي.