الاشارات الايجابية الواردة في خطاب توني بلير رئيس الوزراء البريطاني بشأن محنة كوسوفو كانت سببا لوقفتنا السابقة , لكنها ــ اي تلك الاشارات ــ لم تتوقف عند تلك المحنة وآثارها, بل امتدت لتشمل توقعات بلير من الجاليات المسلمة المقيمة في بريطانيا واسهامها في الحياة الاجتماعية والسياسية في بريطانيا. وفي هذا السياق, حرص بلير على التأكيد على حماية حكومته لحقوق الاقليات, وقال عن حكومته العمالية الحالية: انها اول حكومة بريطانية تجعل المضايقات العرقية وعنف العنصرية جرائم جنائية, واننا نستمع لهؤلاء الذين يمثلون مجتمع المسلمين في بريطانيا الذين يريدون ضمانات كافية توفر لهم الحماية الدينية ويتم تضمينها في القانون. انتقل بلير بعد ذلك للاشادة بالتعاليم والقيم الاسلامية, واقر بأن التسامح العرقي جزء من التعاليم الاسلامية واشار إلى حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي اكد فيه معنى المساواة: (كلكم لآدم وآدم من تراب, ولا فرق بين عربي وأعجمي ولا فرق بين ابيض واسود إلا بالتقوى) , كما ذكر المعاني السامية للصوم في الاسلام والتي منها تذكر الاغنياء للفقراء, وكذلك مسألة مساعدة المحتاجين, حيث جعل الاسلام لزاما على المسلم التصدق بجزء من امواله في كل عام, وتلك هي الزكاة, وقال: هذه هي قيم المجتمع التي نعتقد انه يمكن تحقيقها معا بدلا من تحقيقها منفردين, وانها القيم التي ستجد صداها تردده هذه الحكومة. وفي شأن الصورة التي يحاول الاعلام الغربي تصويرها عن الاسلام, قال بلير: ان المسلمين معرضون للاساءة من قبل الاعلام الذي اوجد ما يعرف في بعض الاحيان بــ (الاسلاموفوبيا) وان هذا الاعلام يردد في كثير من الاحيان ـ خطأ ــ مزاعم التخوف من التطرف ويقرن الاسلام في الاعلام بالتطرف والاصولية, وانه يهدد الغرب. اما تعليق بلير على مثل تلك الادعاءات فكان: هذا مؤذ, وفيه كثير من التبسيط والسطحية والذين يروجون لمثل هذه الادعاءات ليسوا على اطلاع بالمجتمع البريطاني المسلم الذي يحب العمل والسلام والخير, (الشرق الاوسط 8/5/1999) عندما فرغت من قراءة ما ورد في حديث بلير في حفل المجلس الاسلامي البريطاني تذكرت عدة اشارات غربية سابقة, ابرزها محاضرة (الاسلام والغرب) للامير تشارلز ولي العهد البريطاني في مركز اكسفورد للدراسات الاسلامية عام ,1993 والتي ذكر فيها ان هناك الكثير ليتعلمه الغرب من الاسلام, وكذلك كلمته التي القاها امام مجموعة (انفستكورب) عم ,1996 حيث قال فيها ان العالم الاسلامي حافظ على المفهوم الروحي المتكامل للعالم المحيط بنا لدرجة لم نستطع نحن في الغرب تحقيقها, وقال ايضا: انني اؤمن وبقوة بأن عالما يشكل فيه العلم والدين جزءا متكاملا لمفهوم مشترك لعالمنا سيكون اكثر توازنا وحكمة وحضارة. من تلك الاشارات كذلك ما ذكره آل جور نائب الرئيس الامريكي في يونيو 1994 عند زيارته للمركز الاسلامي في واشنطن بمناسبة بدء العام الهجري, وحاول في كلمته التي القاها في تلك المناسبة المقارنة بين التجربتين الامريكية والاسلامية في السعي نحو الوحدة من خلال التنوع, حيث قال: ان الولايات المتحدة هي تجربة لرؤية ما اذا كان بامكان اناس ذوي معتقدات وديانات والوان وخلفيات اثنية مختلفة ان يعيشوا سوية كجيران, واشار إلى ان العالم الاسلامي يسعى إلى الوحدة من خلال التنوع, ووصف الاسلام بانه (دين عظيم لديه الكثير مما يتعلم منه كل الناس مثل ضرورة اقتران الايمان بالتسامح) . الاشارات التي ذكرتها ليست الا نماذج لاشارات غربية عديدة كتلك التي لخافيير سولانا امين عام حلف شمال الاطلسي في يوليو ,97 قال فيها: انني احترم العالم الواقع جنوبنا, واعتقد انه يتعين علينا ان نكون دقيقين فلا نخلط بين الجنوب والاسلام من جهة والارهاب والأصولية من جهة اخرى واضاف كذلك: (الاسلام دين يعتنقه أناس كثيرون يساهمون في استقرار العالم وفي السلام, وانه لا يرضيني أبدا ان يقوم الناس بطريقة ـ حسب ظني ــ انها مشبعة بسوء النية بالخلط بين الاسلام والارهاب, وانا شخصيا أرفض الوقوع في هذه اللعبة, وأكد سولانا انه يحترم الاسلام وقال: (احترم دول العام التي تعتنق هذا الدين وأريد التعاون معها. (البيان 8/7/97) لست هنا بصدد البحث في أسباب ودوافع تلك الاشارات السابقة وغيرها. وأعلم أن هناك تفسيرات مختلفة بشأنها لكني أوثر الأخذ بالايجابي منها حيث ان الذي يلح في هذا الشأن هو: ماهو دورنا ودور المعنيين من جالياتنا المقيمة في الغرب تجاهها؟ وهل يكفي أن نكتفي بالترحيب والاشادة بها؟ ام ان هناك مجالا لتعزيز التفاهم وتصحيح المفاهيم وتحقيق أكبر للمصالح. لا أتردد مطلقا في القول بأن مجالات استثمار تلك الاشارات والاصوات متاحة, بل ان هناك ضرورة عاجلة للاسراع في استثمارها خاصة وان هناك اصواتا سلبية ذات مصالح مضادة تدفع في الاتجاه المعاكس نحو الحاق المزيد من الضرر بصورة العربي المسلم في الذهنية الغربية, ومن خلال المؤسسات الثقافية والاعلامية في الغرب اعلاميا يمكن تحقيق فائدة كبرى من تلك الاشارات حيث يكفي ترويجها للدلالة على أن المجتمع الاسلامي مجتمع انساني لا يضيق بـ (الاخر) بل يقبل التعايش والتفاعل الايجابيين معه, اي ان المنتمي الى الثقافة العربية الاسلامية ليس (غولا) او متوحشاً لا يطاق, او يستحيل التواصل معه, بالتأكيد سوف يسهم هذا الاستثمار الاعلامي في تخفيف حدة الصورة السلبية المشوهة المستقرة في اذهان عامة الغربيين وهي الصورة التي تراكمت عبر السنين الماضية بسبب بعض الممارسات الشاذة, او بسبب التشويه المتعمد المدفوع بالدوافع السياسية الصهيونية, وهي في كل ذلك, كانت مدعومة بتلك الخلفية التاريخية الصدامية التي تعود الى زمن الحروب الصليبية. لاشك ان العرب والمسلمين هم احوج ما يكونون في هذا الوقت لاستغلال اية اشارة ايجابية صادرة عن ساسة الغرب ومثقفيهم, تسهم في ازالة او تخفيف تلك الصورة البائسة عنهم. سياسيا: يجب الافادة من تلك الاشارات من قبل الجاليات العربية والاسلامية في بث الوعي السياسي في اوساط تلك الجاليات, ودفعها نحو مشاركة اكثر فاعلية في الحياة السياسية هناك كالخوض في الانتخابات, بدلا من مقاطعتها, واستثمار اصوات ابناء تلك الجاليات التي تهدد بسبب عدم مشاركتها, ومن ثم عدم فاعليتها. ولا شك ان الحياة السياسية في الغرب القائمة على الديمقراطية والتعددية تتيح لأي مشاركة ان تؤثر في مجرياتها, ومن ثم صياغة سياساتها وصنع القرارات فيها. مما يجعل المشاركة في تلك الحياة بقوة, وعلى نحو افضل في التنظيم من الامور التي تستدعيها الحاجات, بل والضرورات في سبيل الحصول على كامل الحقوق الثقافية والاجتماعية في اطار النظام العام في الغرب. ما يلاحظه المرء في شأن الوجود السياسي للجاليات العربية والاسلامية في الغرب ان جل اهتمامها كان ــ والى عهد قريب ـ يتجه الى قضايا ومشكلات العالم العربي الاسلامي (ما أكثرها!) وهذا امر مشروع ودور متوقع من تلك الجاليات, لا جدال في ذلك, لكن الاهم منه هو الاتجاه نحو قضايا مجتمعات الغرب ومشكلاتها الداخلية, حيث لابد ان تنال تلك القضايا والمشكلات اهتماما كبير من تلك الجاليات باعتبارها جزءا من النسيج الذي يشكل تلك المجتمعات الغربية. تحضرني في هذا السياق رواية ذكرها لي الاستاذ عبدالرحمن العمودي رئيس المجلس الامريكي الاسلامي عندما قام مع بعض الفعاليات العربية الاسلامية في الولايات المتحدة بزيارة آل جور نائب الرئيس الامريكي عندما كانت محنة مسلمي البوسنة والهرسك في شدتها عام ,1994 حيث قام ممثلو الجالية العربية الاسلامية بشرح المأساة التي كان يعاني منها مسلمو البوسنة والهرسك, واشادوا بعض الشيء بالموقف الامريكي المتعاطف مع ضحايا تلك المأساة, لكنهم طالبوا الحكومة الامريكية بموقف أشد حزما تجاه العدوان الصربي, وأكثر تضامنا مع مسلمي البوسنة, مع التركيز على مطالب الحكومة البوسنية على رفع حظر ارسال الاسلحة للدفاع عن المسلمين المسحوقين. بعد ان انتهى الوفد من حديثه حول البوسنة والهرسك, توجه اليهم نائب الرئيس الامريكي بالشكر على اهتمامهم بقضايا الاقليات الاسلامية في الخارج, لكنه ذكرهم بأنهم يمثلون الجالية العربية الاسلامية في الولايات المتحدة, وانهم امريكيون يعيشون في وسط المجتمع الامريكي, ولهذا المجتمع همومه ومشكلاته (ذكر الجريمة والعنف والمخدرات), وقال: اعتقد انكم ايها المسلمون الامريكيون يمكنكم الاسهام في حل هذه المشكلات. كان آل جور صائبا في تعليقه, لكن الواقع ان الحضور العربي الاسلامي رغم استقراره في امريكا لم يكن ليسمح بسبب عدم تنظيمه, بل وتشتته في كثير من الاحيان بالالتفات الى مثل تلك المشكلات, فضلا عن عدم قناعة الكثيرين من افراد تلك الجالية بمشروعية, او جدوى, الاهتمام بمشاكل المجتمع الامريكي وقضاياه, وهذه مأساة اخرى يعاني منها الفكر الاسلامي في غربته.