تؤكد متابعة المتغيرات في السياسة الأردنية منذ وفاة الملك حسين, وتنصيب نجله عبد الله بن الحسين على عرش الأردن, ان ثمة تطورا ملحوظا وأساسيا في سياسة الأردن الخارجية, والذي في تعبيراته أمران مهمان : الأول: هو انفتاح أردني على المحيط العربي. والثاني: انكفاء في العلاقات مع اسرائيل. والتوقف عند هذا التحول في السياسة الأردنية, يستوجب عودة سريعة الى ما شهدته السياسة الأردنية من تطورات في سياق علاقاتها العربية من جهة وعلاقاتها مع اسرائيل من جهة أخرى ولاسيما خلال العقد الماضي. واذا عدنا الى علاقات الأردن العربية منذ أواخر الثمانينات لأمكن القول ان الأردن اتخذ في علاقاته العربية اتجاهين, الأول هو الدخول في محور الاطراف العربية المتجهة أو المنخرطة في عملية تسوية الصراع العربي ــ الاسرائيلي والقضية الفلسطينية, وكان من الطبيعي في هذا السياق أن تتقوى علاقات الأردن مع كل من مصر والفلسطينيين, وبخاصة بعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في العام ,1991 وقد قاد هذا التوجه الاردن الى الدخول في عملية التسوية, وكان بين ثمار ذلك التوصل الى اتفاقية سلام في وادي عربة بين الاردن واسرائيل في العام ,1994 كما كان بين ذلك تدهور في علاقات الاردن مع الدول العربية التي اتخذت مواقف معارضة أو حذرة من الانخراط في عملية التسوية وفق المسارات التي جرت, والأمر في هذا شمل سوريا ولبنان بصورة خاصة وبلداناً عربية أخرى. والاتجاه الثاني في علاقات الاردن العربية, كان انخراط الأردن في محور الدول التي أيدت العراق ابان أزمة الكويت عام ,1990 ثم في معارضة الحرب الدولية ضد العراق في العام 1991 مما ترتب عليه خراب في علاقات الأردن مع دول الخليج العربية, وأخرى انخرطت في التحالف الدولي ضد العراق وكان بينها سوريا, والى حد ما مصر. وبفعل هذين الاتجاهين في علاقات الأردن العربية فقد تردت تلك العلاقات, واندفع الأردن الى عزلة عربية, بل الى حصار عربي اذا جاز الوصف, حيث علاقات الأردن رديئة مع سوريا في الشمال, وسيئة مع دول الخليج العربية وبخاصة مع السعودية والكويت, حيث صنفت الأردن في خانة (دول الضد) اضافة الى علاقات اردنية باردة مع اغلبية الدول العربية الأخرى, وقد وصل هذا الى علاقات الأردن مع العراق في بعض مراحل التسعينات, بعد ان كانت العلاقات بينهما توصف بالوثيقة والقوية طوال عقد الثمانينات وبداية التسعينات. والتوقف عند علاقات الاردن العربية, يفترض توقفا موازيا ومماثلا عند علاقات الاردن مع اسرائيل, وهي علاقات شهدت تبدلات دراماتيكية مع بداية التسعينات خاصة بعد مؤتمر مدريد, ثم شهدت دفعة قوية بعد الاتفاق الفلسطيني ــ الاسرائيلي في أوسلو عام ,1993 والذي بعده اندفع الأردن الى التوصل الى اتفاقية وادي عربة عام ,1994 وكانت مدخل الاردن الى علاقات وثيقة ومتعددة الجوانب مع اسرائيل, شملت تعاونا سياسيا واقتصاديا وأمنيا, لا يشمل العلاقات بين الطرفين فقط, بل يتعاده الى ما هو اقليمي, وكان التعبير البارز في هذا الاتجاه دور اردني في التوصل الى اتفاقات فلسطينية ـ اسرائيلية ومنها (اتفاق واي بلانتيشن) عام 1998, كما ان بين تعبيراته دخول الاردن على خط المناورات العسكرية المشتركة في شرق المتوسط واطرافها تركيا واسرائيل والولايات المتحدة, والاردن الذي حضر بصفة مراقب. غير ان تردي العلاقات الاردنية مع الدول العربية, وتحسنها مع اسرائيل لم يجلب للاردن اية فوائدة منظورة وفي اي ميدان كان, الامر الذي انعكس ترديا سياسيا واقتصاديا وامنيا في اوضاع الاردن,, الذي وان خسر العرب او بعضهم فإنه لم يربح اسرائيل, وقد استمرت الاخيرة في نهجها وسياساتها المهينة للاردن, وفي ذلك ما كشفت عنه محاولة اغتيال خالد مشعل احد زعماء حركة حماس الفلسطينية في عمان, وكذلك فضيحة المياه الآسنة التي دفعتها اسرائيل في شبكة مياه الشرب للعاصمة الاردنية هذا باستثناء فرض اسرائيل لنمط من العلاقات التجارية والاقتصادية هدفها السيطرة على الاقتصاد الاردني الضعيف اصلا. لقد كشفت النتائج الملموسة للعلاقة الاردنية مع اسرائيل انه ليس امام الاردن إلا العودة الى محيطه العربي, وهو توجه يمكن تلمس اولى خطواته اواخر عهد الملك حسين, عبر مساعيه نحو تحسين العلاقات مع دول الخليج العربية, غير ان التقدم كان بطيئا من جهة, وصحة الملك الاردني لم تسمح بالمزيد من الحركة في هذا الاتجاه وبعد وفاة الملك حسين في فبراير الماضي حدث تبدل مهم في موقع الاردن وعلاقاته العربية. ان قرار ان يكون الزعماء العرب الاسرع والاكثر حضورا في عمان عشية وفاة الملك حسين امر له دلالاته في التشجيع العربي للاردن في انفتاحه على محيطه العربي, وهي اشارة سرعان ما التقطها الملك عبدالله دون ان يعطي ذات الاهمية للاشارة الاسرائيلية المماثلة بحضور كثيف ومهم في جنازة الملك حسين, وكانت تلك بداية التحول في علاقات الاردن الاقليمية: تحسن في العلاقات العربية, وبرود في العلاقات مع اسرائيل. واذا كانت جولة الملك عبدالله وبعض من كبار اركانه في عدد من الدول العربية بينها مصر وليبيا ودول الخليج وسوريا جزءاً من نشاط برتوكولي, فإنه لا يمكن النظر اليها من هذه الزاوية فقط بل هي انفتاح اردني سوف يترتب عليه تغيرات مهمة وبعض هذه التغيرات اخذ يوالي ظهوره في اتفاقات اردنية ـ عربية واقتصادية ومالية اضافة الى الانفتاح السياسي. ولعل ما يميز ويعطي لهذه التطورات طابعا اكثر اهمية الازمة التي اثارتها اسرائيل مع الاردن بصدد حصته من مياه نهر الاردن, وقد ساهمت قضية المياه في تبريد العلاقات مع اسرائيل. خلاصة القول فإن الاردن الذي جرب على مدار نحو عشر سنوات مضت سياسات التقارب مع اسرائيل, والبعد عن العرب, ربما بات اكثر اقتناعا بتبديل تلك السياسات, وهو امر يحاوله الملك عبدالله فيما يبدو وليست نتائج جولته العربية سوى مؤشرات على تبدل في استراتيجية الاردن الاقليمية التي وان كانت استراتيجية تسوية مع اسرائىل, فإنها استراتيجية تحسين لعلاقات الاردن مع محيطه العربي. كاتب صحفي سوري