تعتبر الدعاية جزءا لا يتجزء من الممارسات السياسية في النظم الديمقراطية في أوروبا وغيرها من بلدان العالم التي تطبق هذا النظام السياسي, وفي هذه الدعاية يمكن استخدام كل الأسلحة , بما فيها ما يمكن ان يصل إلى مواقف تدخل في قائمة الجرائم الفعلية أو الأخلاقية كالكذب والغش والتدليس, لأنهم كما يقولون: المعارك السياسية تشبه تماما المعارك العسكرية التي يعتبر فيها خداع العدو جزءا من الاستراتيجية الناجحة التي توقع بالقوات المعادية وتفنيها أو على أقل تقدير تحيدها. السياسيون في ممارساتهم للكذب والخداع والنفاق في الدعاية السياسية لا يفرقون ما بين خداع العدو في أرض المعركة الحربية وبين خداع الشعب, وكأنهم يعتبرون الشعب عدوا, أو ببساطة يعتبرون أن مؤيدي الطرف المنافس عدوا يجب قهره بخداعه بمعسول الكلام أو التدليس عليه, أو حتى نشر انصاف الحقائق التي يمكنها ان تشكك في نزاهة الطرف السياسي المنافس وتشويهه ووضعه في قفص الاتهام مع صغار المجرمين, وعندها يحصل على تعاطف الجماهير أو على أقل تقدير تخليهم عن الطرف المنافس الذي يفقد أصوات مؤيديه لحساب الآخر مما يجعله في أيدي الفريق المنافس صيدا سهلا لا يقدم المنتصر المنافق اعتذارا, بل يحاول ان يفسر تلك الممارسات على انها جرت في لحظة خاصة جدا, كما هي الحال أثناء المنافسة على مقاعد السلطة, معتمدا على ان الذاكرة الجمعية اللاهثة وراء طوفان الاخبار والأحداث اليومية تنسى بسرعة, أو انه في الانتخابات المقبلة يمكن بث تلك الأكاذيب في ثوب جديد. هذا الخداع والكذب والتدليس يجري على مراحل متعددة, قبل البدء في الدعاية الانتخابية التي يتحول الجميع فيها إلى منتصر, حتى من يفقد كل مقاعده وأصواته لحساب القوى الأخرى المنافسة. الانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخرا في دول الاتحاد الأوروبي لاختيار أعضاء البرلمان الاتحادي, ومنها اسبانيا التي شهدت انتخابات ثلاثية, أي على ثلاثة مستويات, انتخابات لاختيار اعضاء البرلمان الأوروبي, وثانيا لاختيار اعضاء البرلمانات الاقليمية على مستوى المقاطعات والمحافظات, وثالثا لاختيار العمد واعضاء المجالس المحلية في العواصم الاقليمية والمدن والقرى, شهدت هذه النوعية من الممارسة السياسية, ويمكن ان تكون نموذجا حقيقيا لهذه الممارسات التي أصبحت تغزو العالم الغربي الغارق في لهاث استهلاكي أصبحت السلطة والحصول عليها والامساك بها جزءاً رئيسيا من ممارسة الحياة العامة. تنافس في هذه الانتخابات مجموعة كبيرة من الأحزاب التي وصل عددها لأكثر من ثلاثين حزبا(!), بعضها يسمع عنه المواطنون لأول مرة, بل ان بعضها لأشخاص أقرب إلى العته والجنون منهم إلى العقل, ومع ذلك كانت لتلك الأحزاب مساحاتها الدعائية في وسائل الاعلام الرسمية من اذاعة وتلفزيون, وان كان نصيب الأسد من هذه الدعاية المجانية للحزبين الرئيسيين: (الحزب الشيوعي) اليميني الذي يحكم اسبانيا منذ ثلاثة أعوام فقط, و (الحزب الاشتراكي) الذي يتزعم المعارضة حاليا في البرلمان بعد ان كان حاكما بأغلبية مطلقة ما يزيد عن ثلاثة عشر عاما. بعيدا عن الأحزاب الوهمية التي تمثل الغالبية العظمى من الأحزاب الثلاثين حول الحزبين الكبيرين, كانت هناك ثلاثة أحزاب أخرى لا تزال تلعب أدوارا مهمة وحيوية في الحياة السياسية الاسبانية منذ أول انتخابات ديمقراطية جرت عام 1978, وهي حزب (اتحاد اليسار) الذي يضم مجموعة من الأحزاب اليسارية المتحالفة بزعامة الحزب الشيوعي الاسباني, اضافة إلى الحزبين الاقليميين: (حزب الاتفاق القطالوني) و (الحزب الوطني الباسكي) , كلاهما يحكم في الاقليم الذي ينتمي إليه, وله أيضا أعضاء يمثلونه في البرلمان الوطني ومجلس الشيوخ في العاصمة المركزية مدريد, ويشارك هذان الحزبان حاليا في دعم حكومة الحزب الشعبي التي تجلس على كرسي السلطة بعد فوزها الهزيل في الانتخابات التي جرت قبل ثلاثة أعوام بلا أغلبية كافية للحكم. قبل ان تبدأ الدعاية الانتخابية بأسابيع قليلة بدأت تغزو وسائل الاعلام مجموعة من القضايا الصحيحة أو الملفقة التي يتهم فيها كل طرف الأطراف الأخرى بالفساد, أو على أقل تقدير بالاثراء على حساب المال العام أو تسهيل سرقة أموال الدولة, كما حدث من جانب الحزب الاشتراكي ضد مرشحة الحزب الشعبي للبرلمان الأوروبي, الذي اتهمها بتسهيل سرقة المساعدات الأوروبية لدعم مزارعي التيل, وتم تقديم ملف عن عدد من كبار المسؤولين الذين عملوا مساعدين للمرشحة أثناء توليها منصب وزيرة الزراعة قبل تخليها عن تلك الوزارة لتكون رأس قائمة حزبها في الانتخابات الأوروبية, ويبدو ان بعض هذه الاتهامات صحيح لأن عددا من مساعديها السابقين المتهمين اعترفوا بأخطائهم واستقالوا من مناصبهم, ولكنها ظلت حتى اللحظة الأخيرة تنكر صحة ما نسب إليها, بل وتدافع عن المعترفين بالفساد! من جانبه لم يجد حزب الحكومة طريقة لاتهام منافسه الاشتراكي بالفساد بعد ان تخلص ذلك الحزب من كل الذين صدرت ضدهم أحكام في قضايا مشابهة, فقام بالبحث عن أوراق قديمة في ملفات معاوني أو مرؤوسي الزعيم الاشتراكي خوسيه بوريل تعود لفترة توليه منصب وزير الاقتصاد في آخر الحكومات الاشتراكية, وتحولت الساحة السياسية إلى اتهامات متبادلة بالفساد. لكن الزعيم الاشتراكي لم يخطر بباله بعد كل هذه السنوات ان يكون موضع شبهة, فحاول ان يلقن الطبقة السياسية في بلاده درسا في (الشرف والنزاهة السياسية) فاستقال من منصبه السياسي, لكن هذه الاستقالة لم تجد مقابلا لها من الحزب المنافس برغم ان كل الدلائل كانت تشير إلى تورط المرشحة اليمينية ووزير الصناعة أيضا في عمليات غير قانونية لا تليق بمن يدعي شرف التعامل في السياسة. من ناحية أخرى واجه الحزبان الرئيسيان الأحزاب الصغيرة الاقليمية باتهامها بأنها أحزاب لا تقل (فاشية) عن الصرب وعمليات التنظيف العرقي التي يقومون بها ضد الألبان في كوسوفو, وان هدف الحزبين الاقليميين تمزيق اسبانيا, وتعريضها لحرب أهلية جديدة, بالمقابل قامت الاحزاب الاقليمية باتهام الحزبين الكبيرين بأنهما يثيران الجماهير ضدهما ليستحوذا على (الكعكة السياسية) دون منافس. في مناخ يشبه ساحات القضاء التي يتعارك فيها المجرمون مع القضاة والمحامين والسجانين جرت هذه الانتخابات في اسبانيا يوم الأحد الماضي, وكانت المتابعة الاعلامية لها امتداداً لمناخ الاتهامات المتبادلة, لأن التلفزيون الرسمي دخل في سباق محموم مع القنوات التلفزيونية الخاصة محاولا تأكيد مزاعم الحكومة, فيما كانت كل قناة خاصة تحاول تقديم معلوماتها عن موقف كل حزب يختلف عن حزب الحكومة جذبا لعدد أكبر من المشاهدين. انتهت المعركة الانتخابية الثلاثية إلى نتائج متباينة لا علاقة لكل نتيجة منها بالأخرى, على الرغم من ان الناخبين هم من الشعب الاسباني والأحزاب لا تختلف برامجها الأوروبية عن برامجها الاقليمية والمحلية, فقد بدا واضحا ان الناخب الواحد كان يصوت لأكثر من حزب, يمنح صوته لحزب ليمثله على المستوى الأوروبي, في الوقت نفسه يختار عمدة مدينته أو قريته من قائمة حزب آخر, وربما يختار رئيس الاقليم من قائمة حزب ثالث. هذا الاختلاف في النتيجة كان ملفتا للنظر, بل وسهل على الأحزاب جميعا ان تدعي نجاحها وتعلن عن سعادتها لما حصلت عليه من مقاعد, لأن النتائج المختلفة منحت كل حزب الفرصة لابراز تقدمه على الجبهة التي حقق فيها نتائج أفضل, وتجاهل الجبهة التي خسر فيها. النتيجة النهائية ان حزب الحكومة أعرب عن سعادته بالحفاظ على عدد مقاعده في البرلمان الأوروبي, على الرغم من خسرانه لمقعد عن الانتخابات السابقة التي جرت قبل أربع سنوات, وكذلك تراجعه في الانتخابات المحلية, والحزب الاشتراكي سعيد بنتائجه في الانتخابات المحلية والاقليمية على الرغم من بقائه في المركز الثاني في عدد المقاعد في البرلمان الأوروبي, اضافة إلى انه لم يستطع تعويض خسارته في الانتخابات العامة قبل ثلاث سنوات. حتى الأحزاب الأخرى التي خسرت على جميع الجبهات وفي كل الانتخابات مثل اتحاد اليسار أو حزب الاتفاق القطالوني أو الحزب الوطني الباسكي أعلنت عن سعادتها للمشاركة, لأن في هذه المشاركة دعما للديمقراطية وانتصاراً للشعب الذي اختار هذا النظام دون غيره من النظم, لأن (الانتخابات في الديمقراطية سباق لا يخسر فيه أحد) . كاتب مصري مقيم في اسبانيا