شهد العقد الاخير من القرن الحالي حركة عالمية واسعة تدعو الى تنشيط الاهتمام بالموهوبين والمبدعين, وتركز على ضرورة الكشف عنهم وتشخيصهم في سن مبكرة, كما تلح على ضرورة توفير المناهج والبرامج والانشطة التي تلبي احتياجاتهم, وتوفير المناخ والبنى المؤسسية القادرة على ادارة هذه الانشطة لتطويرها والحفاظ على استمراريتها . وهكذا أخذت الدول ترصد الميزانيات الضخمة من اجل اجراء الدراسات والبحوث الميدانية حول الموهوبين والمبدعين, وتطوير اساليب الكشف عنهم, وتصميم البرامج المناسبة لهم لرعايتهم وتوظيف طاقاتهم الابداعية في مجالات عدة, ايمانا منها بأن ما ينفق على هذه الفئة يعتبر نوعا من الاستثمار يحصد المجتمع ثماره في المستقبل ويرتقي به, فلماذا هذا الاهتمام كله بالموهوبين والمبدعين؟ وماهي اهميتهم ودورهم في الحياة؟ هذا ما سنحاول الاجابة عنه في هذا المقال. يمثل الافراد الموهوبون والمبدعون سواء كانوا اطفالا أم كبارا, ثروة طبيعية وطنية في غاية الاهمية, و من واجب المجتمع ان يحافظ عليها ولا يبددها بالاهمال وانعدام الرعاية بل ان المجتمع مطالب باستثمار مواهب وابداعات ابنائه حتى تسهم في تنمية وضمان امنه واستقراره ومستقبله. وقد اثبتت الدراسات النفسية ان حاجة هؤلاء الى الرعاية والاهتمام لا تقل عن حاجة الافراد المعاقين. ويقارن احد الباحثين بين الضرر الذي سيترتب على اهمال المعاقين والموهوبين, فيقول ان الضرر الذي سيلحق من اهمال الاطفال المعاقين محدود يطال المعاق نفسه وقد يمتد الى اسرته, بينما يمتد الضرر من جراء اهمال الموهوبين والمبدعين الى المجتمع بأسره, فيخسر المجتمع جهود مجموعة متميزة من ابنائه وبالتالي يؤثر ذلك على تطوره ومسيرته المستقبلية. الثروة الأهم كما تعد فئة الموهوبين والمبدعين الاساس الذي تعتمد عليه التنمية المجتمعية. فالتنمية في اي مجتمع تعتمد على العنصر البشري اكثر من اعتمادها مصادر طبيعية اخرى. فالتنمية مسؤولية ابناء المجتمع ذاته. ويشير احد الباحثين الى ان التخلف الذي تعاني منه دول العالم الثالث والنامية ليس بسبب ندرة الموارد الطبيعية, بل بسبب اهمالها للموارد البشرية وعدم توظيفها التوظيف المناسب لها. فعلى سبيل المثال, تمتلك دول الخليج العربي التي تعد من الدول النامية أكثر من ثلثي احتياطي النفط في العالم, فهي تمتلك ثروة طبيعية هائلة, ولكن لا يتزامن ذلك مع وجود تنمية اقتصادية وصناعية منشودة مثل التي نراها في الدول الصناعية, وذلك بسبب اهمالها للعنصر البشري. فالنقص في الموارد البشرية المؤهلة والمتخصصة الذي تعاني منه معظم الدول الخليجية لا يمكن ان يعوض من خلال استيراد عقول من الخارج وستبقى هذه الدول في حالة استيراد مستمر. ولكن المشكلة تنحل عندما تستفيد هذه الدول من الطاقات العقلية الوطنية, بحيث تصبح هذه الكوادر العلمية مخزون الدولة الاستراتيجي الذي تعتمد عليه وهو الامل المنشود لكي تستطيع الامة مواكبة الامم المتقدمة. وعلى النقيض ننظر الى اليابان التي استطاعت بزمن قصير نفض مخلفات الحرب المدمرة عن كاهلها لتخرج دولة صناعية عملاقة على الرغم من ندرة مواردها الطبيعية, فلم يتحقق ذلك الا من خلال الاهتمام بالكفاءات والعقول الوطنية, فتنمية اي مجتمع هي مسؤولية ابنائه بالدرجة الاولى, فاللحاق بمثل هذه الدولة لا يمكن ان يتحقق الا من خلال تأهيل كوادر فنية وطنية متميزة تستطيع بزمن قصير ان تلحق بقطار هذا التقدم. وتمثل دول شرق اسيا كماليزيا واندونيسيا وسنغافورة مثالا اخر للدول التي استطاعت ان تصل الى مصاف الدول الصناعية المتقدمة وتنافسها على الرغم من شح امكانياتها الطبيعية, فركنت الى العنصر البشري واستفادت من طاقاته الابداعية ووظفتها افضل توظيف في خدمة مشاريعها التنموية. كما يلعب الافراد الموهوبون والمبدعون دورا بارزا في المحافظة على امن واستقرار المجتمع, وهذا اسحاق شامير رئىس حكومة اسرائيل الاسبق يشير الى دور الكفاءات والعقول البشرية في استقرار المجتمع وتنميته عندما سئل: لمن سيحسم الصراع العربي ـ الاسرائيلي؟ فأجاب بكل ثقة: لاسرائيل طبعا... والسبب لأنها تهتم بالعنصر البشري وتسخر كافة الامكانات اللازمة لابراز قدراتهم والوصول بها الى اقصى طاقاتها الكامنة, وهذا ما تفتقره الدول العربية التي تعمل على تهجير ابنائها المبدعين والموهوبين لتستفيد منهم دول غير دولهم. واذا كانت الدول المتقدمة تراهن على ابنائها الموهوبين والمبدعين في صناعة مستقبلها والحفاظ على أمنها وتقدمها, فان دولنا الخليجية والعربية لذلك احوج. اهتمام محلي ومن هنا لابد من التعرف على الاشخاص ذوي المواهب والابداعات المتنوعة, واكتشافهم, وتصميم البرامج اللازمة لتوظيف قدراتهم وطاقاتهم التي لا تنضب من اجل تحقيق مصلحة مشتركة للفرد والمجتمع معا. والموهوب والمبدع بحاجة الى برامج خاصة لما يتمتع به من طاقات وقدرات يتفوق فيها على اقرانه, وعدم توفر هذه البرامج يعني خسارة جانب كبير من طاقات المجتمع, وبالتالي فالتعرف على قدرات هؤلاء وايجاد السبل الكفيلة لتنمية قدراته من المهام الوطنية الملحة, والافراد الموهوبون والمبدعون ليسوا حصرا على الطبقات الغنية او على جنس من الاجناس او عصر من العصور, فكل امة بها من الملكات العقلية الخاصة ما يكفيها, المهم هو كيفية الاستفادة وتسخير هذه الطاقات لتكون فاعلة وقادرة على النهوض بالمجتمع. وقد بدأ محليا في الاونة الاخيرة اهتمام متزايد بشؤون الموهوبين والمبدعين على المستوى الحكومي والاهلي, فلأول مرة منذ زمن بدأت وزارة التربية تتحدث بشكل جاد عن اهمية هذه الفئة ودورها في المجتمع, وضرورة وجود برامج لتنمية قدرات هؤلاء الموهوبين والمبدعين كما جاء في وثيقة رؤية التعليم 2020 فالمشروع الذي شرعت وزارة التربية في تنفيذه والذي ورد في صفحة 99 من الوثيقة, بدائي وتقليدي ولا ينسجم مع التوجهات العالمية الحديثة لرعاية الطلبة الموهوبين والمبدعين, وكأن الوزارة تريد فقط ان تركب موجة الابداع والموهبة العالمية دون ان يكون ذلك مصحوبا بتخطيط متأن ومدروس. كما ظهر على الساحة المحلية اهتمام اهلي تمثل في تأسيس جمعية لرعاية الموهوبين كاحدى جمعيات النفع العام, والتي اقترحت مؤخرا بعض الانشطة الترفيهية للموهوبين والمبدعين على هامش مهرجان التسوق الصيفي 99. وعلى الرغم من هذا الاهتمام المجتمعي, يجب الا يترك امر الاهتمام بالموهوبين والمبدعين لجهود اهلية وغير متخصصة, فلابد ان يتم تبني هذه الجهود على اسس علمية وليست حماسية, فالتخطيط لشؤون الموهوبين له اسسه العلمية والمهنية ويتطلب خبرات وامكانات متخصصة, فلابد من الاستعانة بالخبرات والكفاءات الوطنية والعربية, اذا ما اردنا ان نخطط او ننفذ اي نشاط او مشروع خاص بهذه الفئة حتى يكون المردود ايجابيا ومحققا للاهداف الموضوعة من اجله. * قسم علم النفس في جامعة الامارات ونائب رئيس المجلس العربي للموهوبين والمتفوقين