المتتبع لما يكتبه كثير من المثقفين العرب حول الثقافة وغيرها من حقول المعرفة الانسانية, يلحظ انهم قلما يتفقون على معنى محدد واضح, فأنت تقرأ لهم في أي مجال, فتراهم يقولون بصعوبة التعريف وتحديده للمصطلح الذي يخوضون فيه. فهم يذكرون تعريفات كثيرة للثقافة او للشعر والادب والفن والاصالة والمعاصرة والحداثة والعلمانية والعولمة أخيرا , وغير ذلك مما يأتون على دراسته. وهكذا يعكس ماهم فيه من حيرة وارتباك واضطراب, فتراهم احيانا يرتدون للماضي يبحثون عن الثقافة الصافية التي تدل على مكونات الثقافة العربية بعيدا عن المؤثرات الاجنبية, وتارة تراهم يلجأون للغرب لتحديد مواصفات الثقافة العربية باعتبار ان الغرب مؤسس المنهجية العلمية والحضارة الحديثة التي ندين لها بالانجازات الهائلة التي نقلت الانسان الى عصر الآلة. ومرد ذلك الى افتقادهم لمنهجية واضحة تضبط دراساتهم وبحوثهم التي يقومون بها, وان هذا الجهد وهذا الجدل الكبيرين حول تحديد معنى مصطلح ما يعكس من جديد ودائما ضرورة المنهج الذي يفتقده الكثير من الدارسين, ويفتقد كذلك للرؤية الواضحة التي تقدر تمايز الثقافات وضرورة تفاعلها, وان الامر ليس نقلا آليا فيما يخص الثقافة والفكر, لأنهما نتاج بيئات مختلفة ولا يجوز تجاهل هذه المؤثرات, كل ذلك كان له ان يساعد على ان يبقينا في دائرة صناعة الكلام لا صناعة الأشياء والآلات. تحديد منهجي والمنهجية هذه هي ان ندرس الثقافة على ضوء خصائص العربية التي ضبطت الالفاظ بالنظر الى معانيها المادية والحسية, ومثل هذه المنهجية ستتيح لنا التعامل معها على مستويين, بسيط واخر مركب, فوضع اللفظة في جوها الحسي يجعلنا نضع ايدينا على ابسط معاني الثقافة ومدى اتصال هذا المعنى وملاءمته لأن يكون ميلادا لمعناها الاصطلاحي الذي لا يجوز بأي حال من الاحوال ان يفارق المعنى الاصلي او يتناساه تماما, وان اجاز له ان يتسع وينمو ليكتسب دلالات جديدة تتناسب مع تطور الحياة. فالمعنى المعجمي هو بمثابة مرحلة الطفولة للمعنى ونقطة الانطلاق التي تواكب المعنى حتى يصل الى مرحلة الاصطلاح ومع الزمن يستوي عوده فيكون قادرا على الحفاظ على الصمود في وجه التغيرات التي تحدث له عبر العصور والازمان فتحميه من الانفلات والابتعاد عن اصوله في رحلته هذه فالمعنى المعجمي والحالة هذه قيد على المعنى الاصطلاحي حتى لا يضيع في خضم التطور والتجديد اللذين يمليهما تطور الانسان نفسه, والمعنى الاصطلاحي نفسه هو الاخر قيد على المعنى المعجمي حتى لا يبقيها حبيسة في المادية والحسية ومرحلة الطفولة, وما يصدر عن الانسان لابد ان يكون خاضعا لمنطق الانسان نفسه, اعني التطور, وهذا ما تمليه حقائق الاشياء وطبيعتها. اريد ان اخلص الى ان هذه المنهجية في دراسة المواد الثقافية المختلفة تجعلنا نتجاوز الاختلافات العميقة في تعريف الثقافة وغيرها, وطالما ان اللغة تحمل في ثناياها سمات خاصة تدل على اصحابها, فقد كان من البديهي ان تتمثل الامة في لغتها شخصية وروحا, كما ان هذه النظرة تقودنا الى الاستنتاج بأن النتاج الانساني في مختلف الميادين لابد من ان يكون له تاريخ متحرك متحول لا ثابت ساكن, واشدد هنا على كلمة تاريخ التي تصلنا بنقطة انطلاق تسير معنا دائما, وهذا ما جعلني احدد العنوان بالقيود الحرة. ويشير المعنى المعجمي للثقافة الى تقويم المعوج وتصحيحه, كما هو الحال في تقويم القوس المعوجة وما شابه ذلك, ولما كان القرآن الكريم هو كتاب العربية الاكبر, كان لابد من ان نستكشف معنى الثقافة فيه لنرى الاضافة التي احدثها في الثقافة, فقد جاء في القرآن الكريم (اقتلوهم حيث ثقفتموهم) اي حيث وجدتموهم, والمعنى هنا يرتبط بالمكان. وواضح من هذا ان معنى الثقافة مهما اكتسب من معاني جديدة ودلالات اضافية لابد من ان يكون مرتبطا بالبيئة التي نشأ المعنى في احضانها على ان يتضمن قيمة التقويم والتصحيح, كما ان حلول الثقافة في المكان وارتباطها به يعني ان لكل ثقافة خصائصها التي تميزها عن غيرها تبعا لشروط الزمان والمكان لان المعنى الاصطلاحي متطور عن معنى الطفولة الذي تمثلت ولادته في المعجمي الحسي. وعليه كان هذا المعنى ابنا شرعيا للمعنى المعجمي. تعدد الثقافات وتفاعلها وفي القرآن الكريم ان حكمة الله قضت باختلاف الثقافات تبعا لاختلاف الاجناس والاعراق والالوان الذي ينتج عنه تعدد اللغات وطرائق التفكير, وعلى ذلك كان اختلاف الثقافات عن بعضها امرا طبيعيا لابد منه, ولما كانت الارض هي وطن الجميع ومكان تواجدهم, فان هذا يعني ببساطة ان الثقافة يجب ان تعكس ملامح المكان الذي تنشأ فيه والزمان الذي تنمو فيه كذلك, الامر الذي يعني ان لكل امة ثقافتها مهما تدنى مستواها من الرقي او ارتفع, ولعل الحكمة هنا تكون في ان تسعى الامم للاتصال ببعضها بالضرورة بحيث لا تستطيع الاستغناء عن غيرها بأي حال, لأن اشتراك الامم في العيش على هذا الكوكب يحتم الاتصال لا الانقطاع, تماما كالانسان تتعاون ملكاته وقواه العقلية والعاطفية في سبيل بناء شخصية سوية متفتحة على الآخر, فأمم الارض هي بمثابة انسان واحد (فكلكم لآدم) . وربما كان من المناسب ان اذكر في هذا المجال ما أورده استاذنا الدكتور اسعد علي في احدى محاضراته حول هذه المسألة, فقد ذكر ان كلمة انسان هي مثنى انس, لكن كلمة انسان مفرد تدل على شخص و احد, فكيف يستوي الامر هنا؟ ببساطة شديدة قال ان دلالة هذا تعني ان الانسان في حقيقته يتكون من ذاته مجموعا الى الآخر الذي يتعايش معه, ومن غير هذا الاخر يكون لدينا انسان ناقص, فالانسان السوي هو من تعاون مع الاخر وتفاعل معه, ولو عزلنا الانسان عن غيره لكان انسانا مشوها لا يستطيع ان يؤدي رسالته في الحياة بالشكل الامثل. وفي حالة الامم, فالامة التي لا تتفاعل مع غيرها هي امة مشوهة نقصت من الجانب الاخر الذي لا يستوي بناؤها من غير الاتصال به والتفاعل معه, ومن غير هذا نحصل على امم لم توفر لها شروط صحية للنمو والتطور, وربما ادى بها هذا الى الانقراض او على الاقل الغياب عن الساحة الانسانية, وهذا فيما أظن معنى الآية الكريمة (يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) , وفيما ارى, فان هذه الآية حسمت الخلاف حول تواصل الشعوب ببعضها عن طريق وسائل الثقافة المختلفة حسبما تتجه الحضارة والرقي البشريين, ولهذا, لا معنى أبدا للقائلين بعزلة الثقافات عن بعضها او حتى لا معنى لمقولات الغزو الثقافي او الاحتياج الثقافي او اشكالية الثقافة العربية وما شابه ذلك من أقوال تعبر عن مخاوف طائفة من الكتاب والمثقفين او الذين يتعاطون بالشؤون الثقافية بعامة. طلبتنا ومفهوم الثقافة والحرية لكن بالفعل, اذا اخرجنا الثقافة من قيدها الحر وعزلناها عن نشأتها الاولى ـ طفولتها التي تتمثل في المعنى الحسي المعجمي ـ نكون قد خطونا بها الى الحرية غير المقيدة او قل غير المنظمة, فاننا والالة هذه بالفعل ندخل الثقافة وندخل معها في اشكالية خطيرة تضيع معها ملامحنا وخصائصنا التي تميزنا عن غيرنا. وانه لمن المؤسف حقا ان معنى الحرية والثقافة مازالا غامضين غير واضحين في اذهان طلابنا وطالباتنا في مرحلة التعليم العالي بل وفي اذهان كثير من الكتاب كما نلمح ذلك في اختلافاتهم حول تحديد معنى الثقافة والحرية وغيرهما. وفي حالة الطلبة نجد انهم يربطون دائما بين الثقافة والاطلاع والاخذ من كل علم بطرف. هذا صحيح, لكن ما الفائدة من هذا كله اذا لم تكن هناك القدرة على الانتخاب والاختيار مما اقر بحيث تقودني المادة المقروءة الى اثراء تجربتي الخاصة المعبرة عن شخصيتي ووجودي وبالتالي تقودني الى تعديل نظرتي للاشياء والحياة بما لا يخرجني عن شخصية امتي الثقافية التي انتمي اليها والتي شكلت معالمي وملامحي كانسان ينتمي الى تاريخ وحضارة, لذلك بالفعل كانت الثقافة هي ان يتحول ما يكتسبه ويعرفه الانسان الى النسيج الداخلي له فيصبح جزءا منه ولا يحس بأن شيئا غريبا قد خالطه لأنه يتناغم مع التكوين الاصلي للشخصية الروحية, ويكون قادرا والحالة هذه ان يمتد ويؤثر في غيره بصورة طبيعية, فالانسان المثقف ذو سلوك عفوي لا يتصنع وهو يستمع للرأي الاخر ويحاوره, لان شخصيته قد بنيت على الانفتاح المضبوط لا الانغلاق الاعمى, وفي هذه الحالة يسلك الانسان في حياته بصورة طبيعية من غير ان يحس انه يتصنع او يتكلف في اتصاله بالاخر او حتى وهو يمارس شؤون حياته اليومية الخاصة والعامة. والشخصية التي قد اعدت اعدادا ثقافيا سليما تستطيع ان تميز وتختار من بين ما ينفعها وما يضرها, ولا خوف عليها من الاطلاع على ما هو ضار لأنها تستطيع ان تتجنبه وتنشر الوعي ضده. وبخاصة في عصر الفضائيات والانترنت وغير ذلك من وسائل الثقافة التي اصبحت تقتحم ابناءنا وبيوتنا. فالتحصين الذاتي يتطلب اعدادا يبدأ في مرحلة متقدمة من العمر, ونحن لا نعير مرحلة الطفولة اهتماما (تطبيقيا) لاننا نعتقد ان مرحلة الطفولة لا شيء يفسدها لانها بريئة ولا تتطلب منا متابعة حثيثة, نحن جميعا من الناحية النظرية ندرك اهمية التربية المبكرة لاطفالنا, ولكننا من الناحية الفعلية لا نوليهم اهتماما يذكر في تنشئتهم على قيمة العقل والتثقيف الايجابي. وفي مجال الحرية, فحين نناقش مع طلبة التعليم العالي في الامارات كعينة من عينات الطلبة في الوطن العربي معنى الحرية نجد ان غالبيتهم يظنون الحرية هي ان يفعل الانسان ما يشاء, وهذا يتنافى مع ابسط حقائق الانسان الذي يتميز عن باقي المخلوقات بالعقل, والغريب في الامر اننا حين نطرح على طلابنا السؤال البسيط ايهما الحر المجنون ام العاقل؟ تأتيك الاجابة التي تصيبك بالاحباط وهي ان المجنون هو الحر, لانه يفعل ما يشاء, ولكنك لا تلبث ان تنهض من احباطك عندما تجد طلابنا وطالباتنا سرعان ما يعودون الى المنطق حين ترتفع الامثلة الى درجة اخرى في الحياة العملية فتطرح عليهم مثالا اخر, فتقول ما الذي يجعل التاجر مثلا في الامارات العربية المتحدة يمارس اعماله ونشاطاته بحرية كاملة, فتأتيك الاجابة مبشرة بالمستوى الطيب المأمول من ابناء الامارات وتدل على انهم خامات جيدة لا ينقصها الا الاخذ بيدها وفتح طريق الحوار امامها, هذه الاجابة تأتيك: لان حرية التاجر محمية بالقانون, والقانون ضبط للخارجين عليه وهو الذي يعطي الملتزمين به الحرية في شتى حقول الحياة, وينتهي الاشكال بان الحرية بالفعل تعني الضبط لا الفوضى او الانفلات, فالعقل عقال ورباط للانسان, وان الانسان حر بمقدار ما يوظف العقل في حياته, وتنتهي المناقشة وقد عبر الطلبة عن دهشتهم كيف غاب عن بالهم اننا لانستطيع ان نعتبر المجنون حرا لانه فقد عنصر العقل. اريد ان اشير هنا الى ضرورة تفعيل معاني الحرية الصحيحة وغيرها في اذهان الطلاب في المدارس حتى نعودهم على اعتبار العقل ميزانا ومقياسا للامور, لا ان تبقى هذه الالفاظ تتردد على السنة الطلاب من غير تحديد دقيق, ونحن بحاجة الى هذا الاسلوب اكثر عندما يدخلون في عالم الحياة العملية والانتاج الذي يعتمد على العقلانية والتخطيط السليم المدروس لا العشوائي واللامبالاة والارتجالية, فنحن نعيش في عالم التبست فيه الامور واختلطت الى درجة اصبح فيها الانسان يصاب بالدوار اذا لم يكن على قدر كبير من الوعي والانتباه نابعين من ثقافة اسست على التاريخ المتحرك. نموذج تطبيقي وكما قلنا في التحديد المنهجي للثقافة ودراستها, نقول في الاسلوب, وهما فعاليتان متلازمتان, فكما ان الثقافة تدل على خصائص الانسان وانتمائه للامة, فان هذه الثقافة لابد من ان تنعكس على اسلوب حياته في شتى حقول انشطته, فحين طلبت من الطلبة ان يطبقوا على الاسلوب ما طبقناه على الثقافة من ربط المعنى المعجمي بالاصطلاحي كانت النتائج ممتازة, فجاءت الاجابة ان الاسلوب مأخوذ من السلب وهو بمعنى النهب, وان الاسلوب يدل على الشخصية لانه منهوب من داخلها, اي انه يعكس الخصائص الذاتية للانسان وبالتالي للامة التي تميزها عن غيرها. ولما كان الاسلوب طريقة حياة في التفكير وفي الشكل ايضا, كنا نرى العرب الخليجيين اكثر التصاقا بالثقافة العربية بسبب محافظتهم على التراث العربي في الشكل, لانهم لم يتخلوا عما يدل على شخصيتهم على المستويين الشعبي والرسمي, وان هذا الزي المعبر عن حالة (ثقافية) لهو من العلامات المباشرة على الثقافة العربية الاصيلة التي تدل على اصحابها والتي انحدرت منذ قرون طويلة, وكأنه كذلك بمثابة بطاقة يضعها الانسان على صدره للتعرف بشخصه وهويته في الاجتماعات المتعددة الجنسيات, وهو بمثابة طابع بريد عربي (في بث مباشر على الهواء) الذي ينقل للعالم بعض اوجه الثقافة الوطنية والقومية للامم الاخرى, ولعل في لون الزي الخليجي الابيض الموحد ما يمثل رسالة ثقافية عربية موحدة للامم الاخرى نقول لهم بنقاء هذا العنصر العربي الذي يتفاعل مع الآخر ولا ينغلق على الامم الاخرى بعيدا عن التعصب والاقليمية الضيقة التي تأنفها ثقافتنا العربية وينبذها ديننا الاسلامي الحنيف, وهكذا كان الزي العربي بمثابة المعنى المعجمي الاصلي للثقافة العربية وكان لونه بمنزلة المعنى الاصطلاحي (المنهوب من داخل الانسان العربي) الذي يعطي الشخصية النقاء والصفاء الذي يتسع للتطور والتجديد ولا يتوانى. اما الشكل الانثوي (العربي) بعامة والخليجي بخاصة, فهو الآخر ذو رسالة ثقافية معبرة عن الشخصية العربية, فلون الزي الاسود مشتق من السؤدد والسيادة والمجد, وهو يدل على ان المرأة العربية تنجب هؤلاء الرجال ذوي الحسب والنسب والسؤدد والمجد الاصيل وذوى المواقع السوداء في لقاء العداء, فكأن في زيها الذي يراه العربي عليها دائما رسالة (حية على الهواء) تلاحقه في كل لحظة وفي كل موقع يحل فيه ليحافظ على مجد امته العربية ولا يتخلى عن هذا التاريخ المجيد الذي صنعه الاباء والاجداد, فالزي الانثوى العربي بمثابة المعنى الحسي الذي يحمل في ثناياه المعنى الاصطلاحي (المنهوب) من اعماق التاريخ العربي الذي شكل الشخصية العربية و(بناها) على التفاعل المؤثر في الآخر وهو ينقل قيم الثقافة العربية والاسلامية الناصعة التي انطلقت من الجزيرة العربية للامم والشعوب التي دخلها منفذا لا غازيا, في الوقت الذي كانت شخصيته (البيضاء) المحبة للمعرفة والقيم والمثل العليا لا تتحرج عن اخذ الحكمة انى وجدها. ان الزي العربي الانثوى الخليجي رسالة الام (التاريخية) المعطاءة لابنائها (التي تقول له انها لم تفارق شكلها التراثي والتاريخي وهي تعيش عصر الكمبيوتر والمعلوماتية المثيرة, وان على الابناء الذين لم يفارقوا هم الاخرون شكلهم التراثي والتاريخي ان يسيروا قدما فيما هم ماضون به من عزم وقوة ارادة, ان رسالة الام العربية هذه تعني من بين ما تعنيه ان على الابناء حتى يجعلوا تاريخهم وماضيهم (ماضيا) وحادا الا يدخلوا الحياة من غير (زي ثقافي) كما دخلوه بزيهم العربي الاصيل الذي يعبر عن وجودهم التاريخي والحضاري والثقافي. اني اريد لابنائنا وبناتنا ان يعوا حقيقة الثقافة العربية في اصولها الاولى التى لم تغلق الباب على التطور وحقائق الحياة, وقد مثلت على ذلك بمثال الزي يقتحم عيونهم في كل لحظة, وكأنه يذكرنا دائما ومن غير انقطاع بأن الثقافة بناء وهضم لا اطلاع عابر او اضافة على السطح وفي الهواء, انها بناء في المكان وعلى الارض, انها بناء في العقل والوجدان, ومن كان ذا بناء (وجداني) صحيح معافى كان قادرا على ان يغير الوجود بثقافته, وهذا يحتاج ان تكون الثقافة سلوكا يمشي معنا يدل علينا وندل عليه, ان الثقافة ليست ابدا في ان اقرأ من هنا او هناك, او اعرف هذه المعلومة او تلك, فهذه اصبحت سهلة يسيرة تأتيك الى البيت وانت جالس على مقعدك الوثير, ولكنها تعني كيف تستقبل ما يعرض عليك او يغري بك ويخدعك في عصر دخول المعلوماتية (للمناطق السيادية والحساسة) في عقولنا وعواطفنا, وهل اقول دخول المناطق المحرمة والمحظورة؟ الثقافة الجوانية بالقراءة الاولى اطلق الدكتور اسعد علي على الثقافة (الداخلية) اسم القراءة الاولى, وهي هذه التي تستند الى قدرة الانسان الذاتية على تحليل الحياة و(سبر) اغوارها واعماقها, فالمعرفة الحقة الصافية هي هذه التي تنبع من الذات من غير تشويش او تشويه يأتي من الحياة التي قد تفسد على الانسان صفاءه ونقاءه, فمعرفتنا الصحيحة اذن, ما جاءك بقوة (الدفع الذاتية) لا ما جاءك مكتسبا يدعو للشك والاحتياط, والجوانية لفظة اطلقها المفكر العربي الدكتور عثمان امين على هذه الثقافة الفطرية التي لاتكتسب بالقراءة والكتابة, وانما هي القدرة على التحليل بالامكانيات الذاتية للانسان التي زوده الله ــ جل وعلا ــ بها, وهي موجودة لدى كل انسان بالفطرة النقية, وهو ما دعاه ان يخص امه واباه بالاهداء الذي صدر كتابه به وهو بعنوان الفلسفة الجوانية بقوله (الى امي وهي اكتب الناس والتي لم تكن بكاتبة والى ابي وهو اقرأ الناس ولم يكن بقارىء) وهو يعني ان المعرفة والثقافة ليست وقفا على الذين يقرؤون ويكتبون, وانما هي لصيقة بالانسان ولو كان اميا لايعرف القراءة والكتابة. والحق ان هذا النوع من الثقافة والمعرفة قد تمثل في شخص النبي العربي محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ حين كان يتعبد في غار حراء (يقرأ) الكون والحياة قراءة اولى التي هدته الى ان قومه (بقراءتهم الثانية) كانوا على ضلال, فكان النبي العربي بالفعل اقرأ الناس واكتبهم مع انه لم يكن بقارىء ولا كاتب. وفي الفكر الادبي المعاصر تقرأ وصفهم للحياة بانها اشبه بكهف, فكلما كنا اقرب الى مدخله وبابه كنا اقرب للنور ــ على الضد من كهف توفيق الحكيم الذي رأى بعض النقاد فيه انه عالم الانسان الداخلي, وقد رأى النقاد ان عودة الفتية للكهف هربا من الحياة يمثل عودة الانسان للنفس الصافية, فالكهف عنده النفس لا الحياة ــ وكلما اوغلنا في دخول جوفه كنا نوغل في الظلام اكثر, هم يريدون ان المعرفة الصافية هي ما كانت اقرب لحقيقة الانسان بعيدا عن قشور الحياة, وان الانغماس في الحياة يجلب لنا الفساد والضلال, المفكرون المعاصرون اصحاب هذه الرؤية ينطلقون من ان الحياة بتشعبها وتعقيداتها لم تعد خالية من الخطر على الانسان وهويته وانها هي المسؤولة عن ضياعه واغترابه, لذا, ففي تشبيههم الحياة بالكهف صواب او بعض صواب, ولكن احدا لا يمكن ان يذهب معهم الى حد ترك الدنيا وراء ظهورنا لنبقى جالسين على مدخل الكهف, فدخوله امر حتمي لا مناص منه والا كنا كمن يوشك على الهلاك من الجوع والطعام منه على بعد ضربة معول, ولكنه لايريد ان يأكله خوفا من يسبب له مرضا. وهنا تظهر لنا قيمة التأسيس الثقافي السليم الذي يساعدنا على دخول الكهف من غير خوف او تردد, ان دخولنا الكهف وقل اقتحامنا له لفك غموضه واسراره هي مهمة الانسان الاولى وستبقى الى ان يرث الله الارض ومن عليها, لكنا بالفعل بحاجة, والحالة هذه, الى ان نكون مزودين (بالثقافة الاولى والجوانية) حتى لا نصبح جزءا من ظلام الكهف وقل ضلاله. هنا تظهر قيمة المرأة العربية اولا ثم الاب ثانيا, باعتبار الام هي صانع الثقافة الاول, او هي قراءتنا الاولى للحياة ثم يأتي الاب ليعلمنا القراءة الثانية للحياة بعد ان نكون قد تعلمنا اصول القراءة الثقافية الاولى للحياة والكون على يد الام التي سنبقى نردد على مسامعها مع الشاعر سعيد عقل الذي (كتب) ومع فيروز التي (قرأت: امي يا ملاكي, يا حبي الباقي للابد, لم تزل يداك ارجوحتي, ولم ازل ولد) , بمعنى ان رسالة الام الثقافية هي الدعوة لهم بالحاح ان لايتخلوا عن الثقافة الاولى ثقافة السؤدد والسيادة والمجد التي ربتهم عليها وهم لم يزالو بعد في طور الاعداد والتكوين, وتأكيدا على اصرارها انها لم (تترك الراية) ولم تزل هذه الراية زيها الثقافي الذي تطل به على الابناء والعالم ولن تتخلى عنه الى أبد الآبدين ان شاء الله.