الذهاب مائة وثمانون درجة يسارا يشبه الذهاب مائة وثمانون يمينا, كلاهما يؤسس لمنطق متطرف في النظر للحياة والسياسة والاجتماع. لكن ما الحيلة اذا كان هذان اللونان هما الغالبية؟.. ما الحيلة اذا كانت مناطق التوسط والاعتدال والعقلانية قليلة المساحة.. اذا كانت أصوات التعصب والمزايدات هي الطاغية على ما عداها . يمكننا ان نقف هكذا متفرجين, مكتوفي الأيدي, كما يفعل الكثيرون, لكن ذلك سوف يقلل من مساحة الاعتدال ويزيد من مساحة التطرف, والنتيجة ان الفرجة تصبح عامل تشجيع وتهيئة ومباركة. ونحن نرفض كل ذلك. نحن نقول ان أي مجتمع يملك بطبيعته وفي داخله جذور الاعتدال والعقلانية, هذه الجذور يمكن رؤيتها في معاملات الناس اليومية, في سلوكهم العام, يمكن رؤيتها في التجارب التاريخية المتنوعة التي عاشوها أو توارثوا دلالاتها وعِبرها. لكن ما هو مطلوب هو التأطير والادراك بأهمية الدور الذي ينبغي ان تلعبه.. ما هو مطلوب هو اعطاء الاولوية والأهمية للاعتدال والعقلانية كقيم صحيحة بين الناس, ما هو مطلوب هو تشجيع واثابة المعتدلين والعقلانيين. وكي يحدث ذلك كله, كي يتحول الى مجرى حي وحيوي في المجتمع, نحتاج الى ما هو أكثر من التمنيات.. نحتاج الى استنهاض همم شريحة أو فئة اجتماعية ظلت حتى الآن معطلة, إما بفعل التذبذب أو الاحباط. شريحة بامكانها ان تقود تيار الاعتدال والعقلانية والتنوير في المجتمع, شريحة من واجبها ان تفعل ذلك, لمصلحتها هي ومصلحة الناس. هذه الشريحة هي فئة المثقفين. وحين نقول المثقفين فنحن لا نقصد المشتغلين بشؤون الفكر والثقافة فحسب, نقصد المثقفين بالمفهوم العصري للكلمة, أي جميع اولئك الذين يساهمون بعقولهم وافكارهم وابداعاتهم في بناء البلاد, أي بعبارة أخرى أبرز شرائح الفئة الوسطى من المجتمع, إن جاز التعبير. واختيار هذه الفئة ليس اعتباطا, فهي بحكم تكوينها النفسي والثقافي وانتمائها الى المجتمع العريض, ثم بحكم ديناميكيتها وقدرتها على الحركة وبلورة الافكار, فإن الفئة المثقفة قادرة على الاضطلاع بمهمة توسيع رقعة الاعتدال والتعقل, قادرة على ترويض الفكر المتطرف وفتح آفاق جديدة أمام الناس, قادرة على بعث الحياة والأمل في النفوس المحبطة, وفي كل المجتمعات لعب المثقفون هذا الدور, لعبوه في الولايات المتحدة خلال أزمة الكساد الكبرى في العشرينات والثلاثينات حين استعان بهم الرئيس روزفلت. ولعبوه في اليابان خلال حكم الميجي منذ أواخر القرن الماضي ولايزال حتى اليوم. ولعبوه في بريطانيا ايضا وفي كثير من دول العالم. بيد انه كي يتسنى ان ينجزوا كل ذلك, لابد من اعطائهم الفرصة والامكانية.. لابد من وضعهم أمام اختبار الحياة والأشياء.. ولابد ان يدركوا هم ايضا طبيعة مهمتهم, وحاجة المجتمع والبلاد لجهودهم وأفكارهم.. لابد ان يتخلصوا من التردد والاتكالية والخمول.. وقبل كل شيء وبعده ادراك ان الحياة لم تتوقف عند السبعينات.. وان هناك دائما مجالا للعمل والتفكير واستنباط الحلول.. حلول لمشكلات الحياة المعاصرة.. حياة نهاية التسعينات وأناسها.