كنت أعتبر أن نومي المبكر كل ليلة على الساعة التاسعة خلل أو خطأ ولكني لم استطع التخلص من تلك العادة التي أورثها ايانا الوالد ــ رحمه الله ــ ومع الزمن شعرت أني غالبا ما أحرم بالطبع من برامج تلفزيونية وأفضل عليها الاذاعة التي تساعدني على النوم .. ولكن تحول شعوري بالندم على هذه العادة الى شعور بأني محظوظ وان الله سبحانه وتعالى أراد بي خيرا حين جعلني أنام مبكرا وأصحو مبكرا, والسبب هو أني نزلت عند رغبة أم العيال حين سألتني أن أسهر ليلة الأحد الماضي أمام القنوات الفضائية لأرى مدى الهبوط والتردي الذي أصبح خبز العرب اليومي (أقصد الليلي) في بعض الفضائيات, وبالفعل رأيت العجب العجاب على قناتين الأولى على (ايه.آر.تي - 88) في برنامج شو اسمك سهرنا فيها مع مذيعة ترتدي قبعة غريبة وملابس أغرب وتجلس طوال البرنامج ــ أي في الواقع طوال الليل ــ على أرجوحة تتمرجح وتقبل الجمهور وتوزع القبلات والغمزات بشكل رخيص لم تبلغه حتى أجرأ كباريهات باريس, وموضوع البرنامج تبريري محض اي لا موضوع فيه, يتعلق بنوع ساذج من التنجيم والرجم بالغيب انطلاقا من أسماء المتصلين, فسعد كله سعادة ووسيمة كلها وسامة أما شهر زاد فتحب الحكايات وخالد معتد بنفسه وفاطمة تحب الدلع واسامة عنده عزيمة, وهات من هذه الترهات والسخافات, وكل هذه التعليقات (في الواقع التقليعات) مصحوبة باشارات وحركات لا تليق, أقسم انه لو قامت بها هذه المرأة في احد مقاهي باريس لجمعت حولها بوليس الأخلاق, ما هذا الذي يقع تقريبا كل ليلة واية تسلية هذه اذا وضعنا هذا البرامج في خانة التسلية؟ أما على قناة (ام بي سي) فاستقدموا امرأة ــ طفلة .. تجمع في علم النفس التحليلي (الفرويدي) بين سن المرأة الناضجة وبراءة الاطفال المصطنعة فأخذت ترقص وتنط وتطلع على الطاولات والكراسي وتوزع هي ايضا القبلات والرقصات والغمزات وتقتحم علينا بيوتنا لنشر ثقافة الهبوط والتردي .. وهنا ايضا لا موضوع للبرنامج ما عدا الارتجال الشخصي البسيط لمقدمة محدودة المدارك, قامت مساء الأحد بالقاء الوسائد والمخدات على الكاميرا ــ يعني على وجوه الجمهور المسكين الذي قاده حظه البائس المتعثر الى الجلوس أمام الشاشة كحالي أنا ليلتئذ ــ أي ابتذال هذا تقدمه لنا على (طلبات أغان غريبة) أهذا ترويج لـ (الفن) الغربي ولغناء لا نفهم معانيه ولا يتصل بثقافاتنا ولا تاريخنا ــ ما غايتنا من ورائه؟ تعود جيلي على أن يقرأ لميخائيل نعيمة وروعة كتابه (سبعون) وجمال قصيدته (النهر المتجمد) وهو سيد الادب العربي منذ نشأ في قريته الجبلية الى هضاب أوكرانيا الى الرابطة القلمية بنيويورك, ثم ان هؤلاء السيدات يسئن الى جبران خليل جبران والاجنحة المتكسرة والى ايليا أبي ماضي وبطرس البستاني وخليل حاوي والى فيروز تلك الفنانة الشامخة, الباسقة كشجرة الارز, الوديعة المحترمة المترفعة حين تنشد قصائد شوقي والرحباني, وحين تمس شغاف قلوبنا بنشيد القدس: آتٍ آتٍ آتٍ .. القدس لنا .. يا لها من ملاحم يصنعها لبنان المجد وتدوسها مقدمة برنامج تلفزيوني بالاقدام وبنفس تلك اللهجة اللبنانية التي احببناها وعشقناها من فيروز ووديع الصافي ونصري شمس الدين وماجدة الرومي, نفس تلك اللهجة العذبة المحببة تنتهك أمام أعيننا وتهبط الى الحضيض لتتحول الى غمز وهمز ولمز واغراء درجة رابعة ومع الأسف كلام فاضي في كلام فاضي لمدة ساعات .. وهات يا اتصالات من كل دول الخليج والشرق الأوسط وأوروبا .. مما يشككني في سلامة تقديري, فلعل العرب أصبحوا هكذا من المحيط الى الخليج وجيلي هو الخارج عن منطق هذا العصر, فلقد علموني وعلموا جيلي قيمة الكلمة وقال لي ولجيلي اساتذتي ان الكلمة تخرج من حيث تخرج الروح وأنها مسؤولية خاصة اذا كان من يقولها يجلس أمام كاميرا ويخاطب الملايين في فضائيات محترمة .. ورحم الله زمناً كنا نذهب الى قاعة المحاضرة قبل ساعة حتى نجد كرسيا ونسمع المحاضر ونخرج بفائدة .. كما اني أشد على أيدي المسؤولين عن الفضائيات الجادة المحترمة الذين ظلوا محافظين على مستواها وعلى أقدار جمهورها مثل قناة الجزيرة والفضائية القطرية وقناة دبي والامارات والشارقة والمصرية والاردنية والتونسية والمغربية .. وحتى (ايه .أر.تي) و(ام. بي. سي) في غير هذه البرامج المرتجلة التي تكرس هبوط الذوق العربي العام وتضحك الشعوب الأخرى على ذقوننا وتقوم على التهريج .. بل وحتى التهريج له قواعد واصبحت له مدارس وكليات تخرج المهرجين لأن الاضحاك فن راق وموهبة محترمة. الرجاء ان يعاد النظر بجد وبحزم لنستخلص طريقة للتسلية تجمع بين الجد والهزل لكنها تحافظ على مياه وجوهنا وتعلمنا مالا نعلم. فمستوى الشعوب يقاس كذلك بمعيار ما يضحكها وما يسليها .. واذا كان حالنا نحن العرب هذا الحال .. وسوء المآل فعلينا وعلى حضارتنا السلام.