احاول جاهدة في احيان كثيرة ان اتخفف مع القراء الكرام من اعباء النبش في قلب الوطن, ومحاولة الحديث عن هذا الذي يجري على ساحات الدنيا سياسة وفنا وغرائب واحداثا, لكنني في كل مرة احاول فيها ذلك اجدني اغوص عميقا في هذا الوطن رماله وبحره وهواءه وانسانه , فليعذرني هؤلاء الذين ينتظرون مني شيئا من الطرائف او دعابات الحديث. فالحال التي أراها لا تدع لي مجالا لذلك, ثم ان صحفنا واعلامنا يمتلىء بهذا الطريف ما يغنيني عن الشعور بالذنب تجاه قرائنا الكرام. ان الهم العام كبير جدا ويحتاج منا الى ان ننصت له ونفكر فيه, ونبحث له عن مخارج وحلول بعقلانية وسعة صدر وأفق, فهذه مهمتنا الاولى وحتى الاخيرة, ثم يأتي الدور لكل ما هو خارج نطاق الهم المحلي او الوطني. ولذلك يؤكد الكثيرون ـ ومعهم كل الحق في ذلك ـ على ان الاعلام يذهب بعيدا عن اصل رسالته وسبب وجوده حينما يغيب البعد المحلي في برامجه وانتاجاته واهتماماته ووجوه مذيعيه واسماء العاملين فيه, مركزا على كل ما هو بعيد واجنبي وملون! ما يولد تلك الهوة الشاسعة التي نحسها ونسمعها بين الجماهير واجهزة الاعلام. لن نقول لكم كما نقول دائما وجهوا مؤشرات القنوات الى القناة الامريكية او الفرنسية, سنحتكم على تأمل اعلام الاخوة في الجوار في سلطنة عمان وفي اليمن وكذلك في السودان وسوريا لتعرفوا ما معنى وجود الهوية وما معنى فقدانها نهائيا! لقد اكدنا مرارا وتكرارا على ان ضياع الهوية المحلية من اعلامنا المحلي وخاصة في القنوات التلفزيونية ليس في صالح أحد, وبأن هذا الذي يشاع ويروج له ــ من قبل المستفيدين ــ من ان المواطن أسير عشق لا علاج له للمسلسلات المكسيكية واغاني الفيديو كليب وافلام المقاولات وبرامج التفاهة ولقاءات الفنانين والنجوم, هذا الكلام خرافة لا أساس لها من الصحة اليوم, لكننا نخشى ان تتحول الى حقيقة مع التكرار وهذا الطرق الذي مازال مستمرا لأكثر من 20 عاما! من هنا سنظل ننادي وسائل الاعلام من تلفزيون واذاعة وصحف الى تبني قضايا المجتمع, ومناقشتها وعرضها وايصال صوت المواطن لصناع القرار وأصحاب الكلمة في الدولة حتى لا يسير كلا الطرفين في طريق معاكس للآخر, وما تفعله (البيان) من حملات توعية ليس سوى الخطوة الأولى والشمعة الأولى التي تحتاج الى خطوات وشموع لانارة الطريق, فالطريق طويل ووعر ومليء بالألغام, وكلنا يعلم ما هي هذه الألغام؟ ان ساعات البث التي تنفق هدرا على فيلم رخيص تافه أو (باقة) من أغاني الفيديو كليب وبهذا التكرار اليومي والممتد كان الاولى بها ان تنفق لمناقشة قضايا خلل التركيبة السكانية واشكاليات برامج التنمية, وخلل الرؤية التعليمية, وسياسات التوطين, و .... ان همومنا كثيرة وقضايانا أكثر, وان لم يحرك الاعلام ساكنا فمن يحرك البحيرة الساكنة اذن؟