وقف عالم جليل هو البروفيسور فيليب جيمس في احد المؤتمرات الاوروبية مؤخرا وصرخ: (نريد من الدول الاوروبية ان تصغي إلينا, هذه ازمة عالمية وتحتاج إلى عمل دولي آني مشترك من اجل التغلب على هذا الوباء الصامت والمكلف, اننا سنواجه كارثة صحية اذا لم نقم بعمل على وجه السرعة), ثم جلس مقطوع الانفاس لاهثا وراح يمسح حبات العرق من على وجهه, بانتظار رد فعل المؤتمر والتوصيات التي يتخذها لمواجهة هذا الوباء الصامت على حد وصفه. وبما ان كلا يغني على ليلاه, فالاوروبيون على خلاف شعوب بقية العالم, كالآسيويين مثلا الذين يغنون, أو بالاصح يبكون, على الانفجار السكاني وحالات الفقر المتزايد, أو الافريقيين الذين يغنون على الجوع والحروب, بدأوا يشتكون من الصحة والعافية, التي تسببت لهم في البدانة وكثرة المصابين بها, حتى استدعى الامر عقد مؤتمر دولي في ميلانو بايطاليا مؤخرا, هو (مؤتمر البدانة الاوروبي) بحضور خبراء صحة من 26 دولة, لاعلان الحرب على البدانة بوصفها الوباء الصامت. ولأول مرة يعرف صحافي مثلي ان هناك منظمات متفرغة للبدانة, منها مثلا (المؤسسة الاوروبية لدراسة البدانة) وأخرى هي (الجهاز الدولي لمكافحة البدانة) التي يرأسها البروفيسور فيليب جيمس الذي بدأنا الزاوية بصرخته المدوية, ثم هناك (وكالة معايير الاطعمة) المختصة بتحديد النسب والمعايير في الطعام لمكافحة البدانة, فيما نحن في الوطن العربي ليس عندنا بعد (الوكالة القومية لمحو الامية) مثلا ولا (الجهاز العربي لدراسة التخلف والجهل) ولا (المؤسسة العلمية لرفع وزن المواطنين) مع ان هذه مشكلات عويصة نعاني منها وتتفاقم مع السنين. غير اننا نبقى مع الاوروبيين, كيلا نصاب بالاحباط, فهؤلاء اكتشفوا ان البدانة في ازدياد كبير بين المواطنين, نتيجة لحياة الرفاه الاقتصادي والبحبوحة (اللهم لا حسد), حتى أن ثلث سكان الاتحاد الاوروبي فوق المعدل الطبيعي وان 10% منهم يعتبرون بدينين, ثم هناك احصاءات دقيقة عن نسب البدانة في كل دولة ومقارنات بين الرجال والنساء, وان هذه النسب تصل في بعض المناطق الاوروبية إلى 40 ــ 50 بالمائة, وهناك مخاوف من ازدياد السمنة وسط الاطفال, ما يعني كارثة صحية في اوروبا نظرا لازدياد الامراض المصاحبة للسمنة كالسكري والقلب وما تكبده من خسائر ونفقات للعلاج والوقاية معا. ولا اعرف ان كان المؤتمر الاوروبي هذا يدعو الحكومات للقضاء على البدانة خوفا من تكاليف العلاج في المستقبل حين يصبح نصف سكان اوروبا مصابين بالقلب والسكري والضغط والترهل فتقل كفاءتهم للعمل, ام خوفا من عدم كفاية الطعام والزراعة في المستقبل للاوروبيين وزيادة كلفة فاتورة الاستيراد والاستهلاك, ثم لا أعرف ما هي الوسائل التي يمكن ان تتبعها الحكومات للحد من انتشار البدانة, هل باختراع عقاقير وحبوب يتناولها الاوروبي لشهر بدلا من الطعام فيصبح افريقيا رشيقا, أم بتنظيم ماراثونات جري اجباري للمواطنين كل صباح ومساء, ام بادخالهم مجانا إلى مراكز التخسيس الصحي وشفط الدهون على حساب الحكومات, ثم تصدير هذه الدهون للعالم الثالث لاستخدامها كزيوت طهي؟ وبما ان المؤتمر في الحقيقة لم ينشر توصياته للحكومات في هذا الصدد, ما اثار لدي الاسئلة السابقة, فانني بالمقابل استطيع أن اقترح على الاوروبيين, طالما انهم يتحدثون عن البدانة من منظور عالمي, ان يعتبرونا شركاء في الهموم, فيأتي الينا الاوروبيون البدينون للعمل عندنا لشهور, نستفيد من خبراتهم في تنمية بلداننا ويستفيدون من خبراتنا واوضاعنا في تخفيف اوزانهم, ونذهب بالمقابل اليهم لنعمل عندهم ونستفيد من الرفاهية فنعود بصحة احسن مما نحن فيها. واذا وجدوا ما نقترحه صعبا عليهم, فليس امامهم سوى ارسال البدينين إلى العراق مثلا, لكي يخس الواحد لا من الحصار وحده, بل من الخوف والرعب, فيفقد في اسبوع من وزنه ما يمكن ان يفقده في اعوام, ومن دون اية تكلفة تذكر باستثناء تذكرة السفر إلى العراق.