هل هو مجرد نزاع حدودي على رقعة أرضية محدودة المساحة؟ من يسمعون أخبار القتال المتواترة بين اثيوبيا واريتريا وما يرافقها من أخبار حول جهود الوسطاء يتكون لديه انطباع بان التنازع على ارض حدودية صغيرة المساحة وبلا ثروة طبيعية تذكر هو السبب الأول والأخير للاشتباكات الدموية . غير ان النزاع الحدودي يخفي ما يخفي من دوافع على الجانبين يمكن تلخيصها في كلمة واحدة (اثبات الوجود القومي) . بدأ الاقتتال قبل عام على نحو مفاجىء ثم توقف ليستأنف بعد ذلك في فبراير هذا العام, ثم سكتت أصوات المدافع لمدى شهور لتتجدد بعدها الاشتباكات في مايو الماضي. انطلقت أول شرارة عندما قامت قوات عسكرية اريترية باحتلال أراض داخل منطقة حدودية تسمى اقليم (تيجراي) مقسمه الى نصفين: اريتري واثيوبي, وما فجر الغضب الاثيوبي هو ان القوات الاريترية احتلت جزءا من النصف الاثيوبي لاقليم تيجراي بينما تقول الحكومة الاريتيرية انها لم تفعل شيئا سوى انها استعادت اراضي تابعة لاريتريا, والهجوم الاثيوبي العسكري الكاسح الذي تبع هذه الحادثة كان الهدف منه كما تقول أديس ابابا استرداد أراضي اثيوبية بتحريرها من الاحتلال. وقبل ان نسترسل في السرد يبرز عند هذا المنعطف سؤال مفتاحي: اذا أخذنا في الاعتبار تلك العلاقة الحميمية ذات الطابع التحالفي بين القيادتين الأثيوبية والاريترية التي تستمد جذورها من النضال المسلح المشترك بين الحركة الوطنية الاثيوبية والحركة الوطنية الاريترية في الثمانينات وحتى اوائل التسعينات ضد نظام (منجستو) الاستبدادي.. فلماذا تسمح القيادتان لحادثة حدودية ان تؤدى الى احتكاك يشعل حربا كاملة بين الدولتين؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يغري بالاعتقاد بان النزاع الحدودي ليس سوى واجهة لتطورات أعمق وأخطر جرت على صعيد العلاقات بين الدولتين الجارتين. أجل.. حتى اللحظات الأخيرة قبل اندلاع الحرب كان الزعيمان, ميليس زيناوى الاثيوبي وآسياسي افورقي الاريتري يتوصلان الى حل سريع لأي مشكلة طارئة بين الحكومتين عن طريق الهاتف. وبالاضافة إلى العلاقة الودية على صعيد التعامل الرسمي فإن الزعيمين تربط بينهما صداقة متينة وعريقة على المستوى الشخصي. ومما أدى إلى تقوية العلاقة بين الدولتين والقائدين ارتباطهما الوثيق مع الولايات المتحدة. ولذا فإن الرئيس أفورقي فاجأ العالم عندما بعث بقوات إلى الحدود أقامت احتلالا سريعا لرقعة أرضية هناك. لكن ليس معنى هذا بالضرورة ان الأرض المتنازع عليها تتبع للسيادة الاثيوبية ضربة لازب. قد تكون وقد لا تكون كذلك. فالمشكلة هي انه لم يجر على الاطلاق ترسيم للحدود على الأرض بين أثيوبيا واريتريا حتى عندما كانت الأخيرة جزءا من الدولة الاثيوبية. هناك ترسيم على الورق فقط وفق خريطة وضعتها الإدارة الاستعمارية الايطالية في أربعينات هذا القرن. وكان اعلان استقلال أريتريا في عام 1992 فرصة ملائمة ليجلس ممثلو الحكومتين لتسوية المسألة الحدودية. ولكن يبدو ان سكوت أسمرة لمدة خمس سنوات ثم لجوئها إلى فجائية العمل العسكري كان الهدف منه وضع الحكومة الاثيوبية أمام أمر واقع.. بنفس الطريقة التي احتلت بها أريتريا جزيرة حنيش اليمنية. ربما تراءى للرئيس الأريتري ان الحكومة الاثيوبية سوف ترفض في كل الأحوال أي تنازل مهما كان ضئيلا حول المسألة الحدودية. فقد اكتشف الاثيوبيون انهم ربما تسرعوا في الموافقة على استقلال أريتريا أصلا. والشيء الذي ربما لا يدركه الكثيرون ان الخطوة الأريترية الفجائية باحتلال أرض حدودية فجرت شلالا من الغضب المكتوم المؤجل في نفوس الاثيوبيين قيادة وشعبا.. غضب بأثر رجعي أفرز سؤالا: لماذا سمحنا لأريتريا بالانفصال والاستقلال؟