لا تبدو حال القمة الخماسية المنشودة, وفرص انعقادها, افضل من حال القمة العربية العتيدة التي طال انتظارها, فحتى لو كان الاطار المطروح اضيق كثيرا من نطاق القمة الموسعة , فان العرب قادرون دوما على استنباط اسباب الخلاف والاختلاف, وتفصيلها على الحالة المطروحة, ايا كان نطاقها, واذا كان تعطيل القمة الموسعة له اعتراضاته واشتراطاته, وتدخلاته الخارجية, فان القمم الصغيرة ايضا, لا تعجز عن ايجاد عقباتها ومعطلاتها ايضا. وفي الحالتين, تبدو المصائب التي وقعت, وتقع على رأس هذه الأمة, غير قادرة على اقناع القادة العرب على تجاوز هذه العقبات, وتوحيد جهودهم, او تنسيقها على الأقل, لمواجهة التحديات التي تفرضها اسرائيل عليهم.. وفي الحالتين ايضا, يظل الوطن والمواطن العربي هو الخاسر الاكبر الذي يسدد من شرفه وارضه فاتورة هذه الخلافات والحسابات القطرية والذاتية. وفيما نحن بصدده هذه الايام, وهو التنسيق الخماسي, هل كان علينا, كعرب, ان ننتظر مجيء ايهود باراك, حتى نطرح موضوع التنسيق بيننا؟؟, ألم تكن سياسات حكومة بنيامين نتانياهو, كافية لاطلاق مثل هذه الدعوة؟. بل ألم تكن سياسات الحكومات الاسرائيلية السابقة, منذ عدوان 1967 على الاقل, ومن ديفيد بن جوريون حتى ايهود باراك, تستدعي ان يوحد العرب مواقفهم, وينسقوا جهودهم وتحركهم, ويعبئوا طاقاتهم وامكانياتهم, لمواجهة الخطر الاسرائيلي الذي لم يتوقف لحظة عن تهديدهم؟ وهل يتصور بعض المسؤولين العرب, ان يقبل المواطن العربي تبريرات تأجيل التنسيق حتى يتم تشكيل الحكومة الاسرائيلية الجديدة, وتعلن عن برنامجها؟ وكأننا لم نتعرف على السياسة الاسرائيلية, ومازلنا بحاجة لأن تكشف لنا هذه السياسة عن جوانبها!! من المؤكد, ان التنسيق الذي يطرح اليوم, كان مطلوبا, قبل ان يقدم اي طرف عربي على التفاوض منفردا مع اسرائيل, والتوصل معها الى اتفاقات ومعاهدات, انخداعا بنوايا اسرائيل, او خضوعا للضغوطات الامريكية ومن المؤكد ايضا, ان تجاوز تلك اللحظة المناسبة ادى للوقوع في المخطط الاسرائيلي الامريكي لتجزئة وحدة الصراع العربي الصهيوني, وفصل القضايا العربية المشتركة بعضها عن بعض, وتدمير مفهوم السلام الشامل. لكن تسرع هذا الطرف العربي, او ذاك, او خطأه, حين لم يقدر عواقب ما اقدم عليه من فتح الثغرات في جدار الموقف العربي, والسماح لاسرائيل بالتسرب منها, وحين اساء تقدير حجم الخسائر التي اوقعها في قضيته الوطنية, وليس في القضية القومية وحسب, لا يلغي اهمية التنسيق, ولا يجعله موضوعا تجاوزه الزمن. صحيح ان الزمن له حسابه, واننا نحن العرب لا نتقن فن الحساب, وان المكاسب التي حققتها اسرائيل, في ذلك الزمن الذي اضعناه, على هذه الجبهة العربية او تلك, ستجعل من عملية التنسيق اكثر صعوبة, لكنها في الوقت نفسه, ستجعل منها اكثر ضرورة, والحاجة اليها اكثر أهمية. فكلما أوغلت الاطراف العربية, وتمادت في سياساتها المتفرقة, كلما خضعت للابتزاز الاسرائيلي اكثر, وتفاقم حجم الخسائر التي تدفعها القضية العربية, وعسى ان تكون التجربة المستفادة من الاخطاء التي وقعنا فيها, قد علمت بعضنا بعض دروس السياسة. وفي هذا الاطار, يمكننا ان نتفاءل, ونفسر الموقف الفلسطيني بالدعوة الى التنسيق, فلم يعد سرا ان الطرف الفلسطيني هو من طرح الفكرة مجددا, ويلح عليها. وهذا يعني انه بات يدرك الآن ــ وان لم يعترف بذلك علنا ـ ان تجربته المنفردة مع اسرائيل, كشفت له خطأ الأوهام التي وقع فيها حين تصور ان بامكانه الحصول, منفردا, على حقوقه من اسرائيل. واذا كان قد لقي كل ذلك العنت الاسرائيلي في قضايا المرحلة الانتقالية, فكيف سيكون الحال في قضايا المرحلة النهائىة, التي تتفق على رسم خرائطها وحدودها كل الاحزاب الصهيونية, وتلخصها في اللاءات الاسرائيلية المعروفة. وكما يتضح من المؤشرات الاولى لسياسة ايهود باراك, فان مخاوف الطرف الفلسطيني قد ازدادت, اذا كانت سياسات نتانياهو (بجلافتها) قد اكسبت الجانب الفلسطيني تعاطفا دوليا, لكن سياسات باراك, وتكتيكاته, ستنافس الجانب الفلسطيني على هذا الدعم, وربما تحرمه من جزء كبير منه. ولذلك تذهب مخاوف الطرف الفلسطيني من سياسات باراك الى حد التوقع ان يتجه الجهد التفاوضي الاسرائيلي نحو المسار السوري واللبناني, ويهمش المسار الفلسطيني, او يترك حتى يتم التوصل الى اتفاق مع سوريا ولبنان. ان تفكر الحكومة الاسرائيلية المرتقبة بهذه الطريقة, ليس امرا مستبعدا, مادام ذلك يخدم مخططاتها, ومادام يحقق اغراضها في وضع الاطراف العربية في دائرة تشككها بعضها من بعض, او دفعها لمواجهة بعضها بعضا. لكن هذه التكتيكات الاسرائيلية, لو حدثت, يجب الا يكون الرد عليها هو الخوف, ولا الوقوع في شرك الابتزاز الاسرائيلي, فأي خطوة تقود الى تحرير الجولان والجنوب اللبناني, هي مكسب عربي اولا, وفلسطيني بنفس الدرجة, وحين يكون التنسيق قائما, وعوامل الثقة والتشاور متوفرة بين الاطراف العربية, ستوظف مثل هذه الخطوات في اطار التكامل, وخدمة القضية الواحدة, قضية تحرير الارض العربية. واذا كان من حق الطرف السوري, ان يطرح تساؤلات مشروعة: لم تم التفطن للتنسيق, ولربط المسارات ببعضها, الآن فقط؟ ولماذا لم يتم ذلك سابقا؟, ولماذا لم يربط الاخرون مساراتهم بمساره؟ ولماذا ذهبت كل دعواته السابقة في هذا المجال سدى؟ وماهي مسؤولية الاطراف العربية سواء دول الطوق, او بقية الدول العربية؟ فان المواطن العربي في الوقت الذي يقر مثل هذه التساؤلات, لا يرى فيها عائقا في وجه التنسيق, ولا تهربا منه, وانما لاختبار مدى جدية التنسيق, ومدى الالتزام به, وتحديد مسؤولية كل طرف تجاهه, اذ لا يمكن لسوريا ان تتخلى عن مسؤوليتها القومية تجاه الاراضي العربية المحتلة, وفي مقدمتها القضية الفلسطينية, لان واجب سوريا لا يجوز ان يتوقف عند حدود الجولان, ولا حتى الجنوب اللبناني, والا وقعت فيما وقع فيه الآخرون. وفق هذا المنظور الجدي للتنسيق, تتحدد مواصفات القمة الخماسية المطلوبة. فهذه القمة, ليست مطلبا في حد ذاته, اذ ان الوضع العربي لم يعد بحاجة لمزيد من المظاهر التي لا تحمل مضمونا, ولا يتشوق المواطن العربي لقمة لا تضيف اكثر من رقم جديد لعدد القمم السابقة, وبيان لا يقرأه, ولا يتوقف عنده احد, فمثل هذه القمم لا تؤدي حتى الغرض الاعلامي منها, ولا تقدم اية رسالة ايحائية لاسرائيل والولايات المتحدة المعنيتين بالامر. فاذا كانت الدعوة للتنسيق جدية, وتنم عن خوف من المخططات الاسرائيلية, وتعكس ادراكا, ولو متأخرا للاخطاء والخطايا, التي وقعت فيها بعض الاطراف, حين قبلت ان تذهب, منفردة, للتفاوض مع اسرائيل, والاتفاق معها, فان مثل هذه الدعوة, او القمة, لها شروطها. اولا: استعادة الثقة المفقودة, بين بعض اطراف هذا التجمع الخماسي, من خلال المصارحة, والاعتراف, اين أخطأ كل طرف, واين اصاب, حين اعتقد وتصرف على اساس ان بامكانه ان يحل وحده قضيته مع اسرائيل, وكأن الصراع العربي الصهيوني ليس قضية واحدة متكاملة. ثانيا: الانطلاق من ان استعادة الحقوق الفلسطينية, وبشكل خاص عودة القدس واللاجئين, هي قضية عربية وليست فلسطينية فقط. وليس من حق الطرف الفلسطيني ان يتصرف فيها منفردا, ومن اجل ذلك يجب ان يكون الطرف الاكثر التزاما وحرصا على تنسيق, بل وحدة الموقف العربي, على قاعدة التمسك بالحق العربي. ومن حق الطرف الفلسطيني, على هذا الاساس, ان يضمن الاسناد العربي الكامل في سعيه لاستعادة هذه الحقوق. ثالثا: ان التنسيق, لا يعني وضع قيود على حرية حركة الاطراف المعنية, او في استعادة الحقوق العربية. ولكنه قيد على حريتها في التصرف في الحقوق, وقيد على حرية اي طرف في التنازل عن هذه الحقوق, او عن اجزاء منها, او مقايضة حق عربي بآخر, باعتبار الحقوق العربية وحدة لا تتجزأ. رابعا: ان التنسيق يعني ان التعنت الاسرائيلي تجاه الحقوق الفلسطينية او السورية او اللبنانية منفردة, او مجتمعة, لا تقع مسؤولية مواجهته على عاتق هذه الاطراف وحدها, وانما على عاتق الاطراف الخمسة مجتمعة, بما في ذلك, التوقف امام ما سبق توقيعه من اتفاقات او معاهدات او التزامات مع اسرائيل, اي اعادة تقييم مجمل العلاقات العربية مع اسرائيل, في ضوء موقفها من القضايا العالقة. خامسا: اذا كان التنسيق يخص مباشرة دول الطوق, من حيث تنسيق الموقف التفاوضي, وتناسق المسارات, فان الدول العربية الاخرى, المحكومة بقرارات القمم العربية, ملزمة بالتقيد بهذه القرارات, ودعم الجهد الخماسي, ورهن أي علاقة لها باسرائيل, بل وعلاقاتها الدولية, بالحقوق العربية التي يجري التفاوض عليها. فهذه الحقوق مسؤولية عربية جماعية. هكذا يفهم المواطن العربي التنسيق, وهكذا يفهم مسؤولياته ولن يستطيع اي طرف عربي, قريبا كان, او بعيدا, عن حدود التماس مع منطقة الصراع العربي الصهيوني, ان يعفي نفسه, او يبرئها, او ان يحمل غيره, مسؤولية ضياع جزء من الحقوق العربية. ويبقى ان ننبه, الى ان اي تنسيق, حتى يمكن تحقيق الحد الادنى منه, يستوجب التحرر من الاذعان للادارة او الارادة الامريكية, التي تتحرك لتعطيل اي جهد عربي, عندما يتعلق الامر بتوحيد الموقف العربي, او التضامن العربي تجاه اية قضية من القضايا العربية, وبخاصة اذا كانت تمس اسرائيل من قريب أو بعيد. * قيادي فلسطيني