يحاول جميل الحجيلان تمهيد السبيل لإطفاء الحريق الذي اندلع في بيت (التعاون) , وهو ان نجح في مسعاه فوزراء الخارجية سوف يعودون لاستكمال اجتماع الرياض الأخير الذي إنفض سامره من دون اتفاق, وبمزيد من تباين الرأي والاختلاف في وجهات النظر, من دون أن يعني ان النجاح مضمون لهذا الاجتماع, ما لم يتم تغيير في المواقف التي بسببها فشل اجتماع الرياض. اما انه حريق في بيت (التعاون) فهو كذلك ولا يمكن التخفيف من وصفه عن ذلك, لأن الحجيلان نفسه وصف ما جرى بأنه الأول من نوعه على صعيد المجلس الوزاري لـ (التعاون) خلال دوراته السابقة كلها والتي نافت على السبعين, حتى وهو يحاول وصف ما جرى بأنه ليس كارثة ولا نهاية العالم, لولا أن الحريق, او ما جرى ترك شرخاً فعلياً في جدار (التعاون) وفي مسيرته, بل وفي مصداقيته أيضاً, حيث لم تجد دولة عضو التأييد المطلوب والاستجابة المتوقعة فيما يتعلق بحقوقها الثابتة, ما يعتبر سابقة فعلاً في تاريخ المجلس وتاريخ التعاون معاً. فواضح الآن بعد التسريبات الصحفية الكثيرة التي أعقبت ختام اجتماع الرياض, أن موضوع التقارب الخليجي مع ايران هو مثار الخلاف ما بين الامارات من جهة وعدد من دول (التعاون) على رأسها السعودية, وهو خلاف ما كان يمكن ان يتطور ويتصاعد الى الدرجة التي أفشلت اجتماع الرياض لو تم التمسك بالثوابت والقرارات السابقة لقمم (التعاون) , التي تجمع كلها على تأييد حق الامارات التاريخي في جزرها المحتلة والتي تدعو في الوقت نفسه ايران الى حل هذه المشكلة اما بالمفاوضات السلمية أو بالتحكيم الدولي. وهكذا فان الامارات, حسب ايضاحاتها المتكررة, ومنها أخيرا حديث راشد عبدالله وزير الخارجية لقناة (الجزيرة) ليست ضد العلاقات مع ايران, بدليل انها تحتفظ بمثل هذه العلاقات مع ايران, لكنها قطعاً ضد التفريط في الحقوق, وضد أن ترى علاقات شقيقاتها مع ايران من دون تأكيد حق الامارات, أي تأكيد حق عضو من أعضاء المجموعة الخليجية, لا تعبيرا عن ارتباط المصالح و الأمن والمصير فحسب, بل تعبيراً عن قرارات قمم المجلس وميثاقه أيضاً, وهو ما يبدو أن العلاقات الجديدة مع ايران تتجاهله, وهو ما يبدو أكثر أن بيان اجتماع الرياض الختامي كان يتجه الى عدم ذكره, فكان الفشل نصيب الاجتماع كله. وسمعنا فيما يدعو الى العجب, أن وجهة نظر الاخوان والأشقاء تقوم على عدم اثارة النظام في ايران ومحاولة كسبه, خاصة لجهة تدعيم التيار المعتدل فيه برئاسة محمد خاتمي رئيس الجمهورية الايرانية, وكأن مجرد الاشارة في بيان ختامي, هو عادة متكرر لا يغني ولا يسمن من جوع, الى حق الامارات في جزرها, أو دعوة ايران الى قبول التفاوض والحل السلمي, سوف يدمر العلاقات الجديدة الدافئة مع طهران, فيكون مع مثل هذا المنطق, موقف الامارات في رفض اقامة علاقات مع طهران على حساب الحقوق, من أبسط حقوقها التي ينبغي على الأشقاء تفهمها, لأن التفريط في الحقوق لحساب المصالح غير مقبول وغير ممكن. طبعا هذا المنطق الغريب الذي يقوم على فكرة التشجيع ومكافأة الاعتدال في ايران يشبه الى حد كبير فكرة مكافأة العدوان العراقي على الكويت بالرضوخ له وقتئذ للتفاوض على سحب قواته منها, وهو ما رفضته دول الخليج مجتمعة في موقف موحد واحد, كان من ثمرته تحرير الكويت واستعادتها بالكامل, فلماذا يمكن ان يكافأ الاعتدال في ايران الآن مع أنه حتى الآن يرسل اشارات سياسية برفض قبول الحلول السلمية حول الجزر؟ ونختم بالأمنيات الصادقة لجميل الحجيلان في ان ينجح في تمهيد الطريق لاطفاء الحريق المذكور, غير أن تمهيد الطريق عملياً ليس بيد اطفائي (التعاون) بقدر ما هو بيد الدول الاعضاء نفسها, وهذا لن يتحقق الا بالعودة الى روح الفريق الواحد والاجماع الواحد, وتبني المصالح المشتركة واعتبار حق أية دولة عضو هو حق جميع الاعضاء, والا فان (التعاون) كلمة تفقد معناها السياسي وتفرغ من محتواها الأخوي وتصبح شعاراً كالشعارات التي عفى عليها الزمن من كثرة ما لاكتها الأفواه من دون تنفيذ, وهو مالا نتمناه حقيقة لمجلس (التعاون) الذي نعتبره حقاً بيتنا الكبير.