يدور جدل كبير حول مركزية ولا مركزية السلطة والقرار في مؤسساتنا واداراتنا ووزاراتنا المحلية والاتحادية, وأظن بأن التغيير الجذري الذي اعلنت عنه وزارة التربية والتعليم من حيث اعادة هيكلة البناء التنظيمي للوزارة يسعى للتقليل من آفة المركزية المسيطرة في الوزارة, هذا ما نظنه ونتمناه ايضا, وهذا ما تم تداوله في ندوة (الممارسات الادارية) التي حاضر فيها ورعاها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. وبقدر يقيننا بأن المركزية نوع من الادارة قد انتهى زمانه, وانه اصبح عبئا على كاهل المسؤولين المركزيين في المؤسسات الخاضعة لهذا النوع الاداري وعلى كاهل المجتمع وافراده الذين يشكلون جمهور المتعاملين اليوميين مع هذه المؤسسات والتي تعوق المركزية سير معاملاتهم وانسيابية القرارات وسرعة انجازها, حيث ان غياب المدير العام او المسؤول الاول لمدة اسبوع مثلا قد يعني خسارة جسيمة لبعض الافراد وقد يعني ضررا بأي شكل لمراجعين ينتظرون انهاء معاملاتهم بفارغ الصبر. ان التشبث بنظام مركزية السلطة والقرار في حقيقته يتماشى مع عقلية انسان العالم الثالث المفطور على حب السلطة وقبول الطغيان او توليده والواقع تحت ضغوط تربية ونشأة غرست فيه عدم الثقة بالنفس والتباهي على الآخرين بفضائل ليست فضائل في حقيقة الامر, واعتبار الوظيفة او المنصب قطاعا خاصا يمارس فيه قدرات وهمية يعتقد بأنها بطولات شخصية و.... مركزية السلطة او القرار حين تستقر في ذهنية المسؤول تتحول الى وعي زائف بحقائق يؤسسها هو بهذا الوعي ويتلاعب من خلالها بمصائر العباد تحت ضغط امراض نفسية لا حدود لها. من هنا فإن مطالبة سمو الشيخ محمد بن راشد في ندوة (الممارسات الادارية) بضرورة التواصل مع الجمهور وتقبل مقترحاته واعتراضاته وانتقاداته باعتبار ان النقد الايجابي الذي سيكشف عن اخطاء وسلبيات يصب دائما في صالح العمل والمؤسسة برغم قسوته وشدته, المهم ما يؤدي اليه الأخذ بهذا النصح او النقد من تغييرات ايجابية. ان كلمة او عبارة (راجع المدير) او موضوعك لا يحله سوى الوزير او قضيتك تحتاج الى توقيع المسؤول الاول, من اكثر العبارات المحبطة التي تعترض العميل او الجمهور المتعامل مع المؤسسات الحكومية, والسبب ان هذا المدير العام او الوزير او المسؤول الاول ليس بالشخص العادي او المتاح في أية لحظة او مسموح بلقائه بشكل سلس وبسيط, فدون لقاء المدير العام او الرئيس الاول صعوبات ومواعيد ومراجعات قد تستغرق عاما كاملا احيانا!! وتخيلوا ما قد يحدث للمراجع اذا وقع في مأزق كهذا ولديه في الاصل مأزق آخر يحتاج الى حل لا يأتي إلا بعبور بوابة مكتب المدير العام!! اذن ما الحل؟ احدهم اتصل بي مقترحا ان ينشر اعلانا مدفوع القيمة وعلى نفقته وايا كان الاجر يعلن فيه رغبته الشديدة لمقابلة احد المسؤولين الذين تعب ويئس من الحصول على موعد مقابلة معه لعرض قضية حساسة وهامة لا يبت فيها سوى هذا المسؤول! ماذا يعني هذا الاقتراح؟ انه يعني ان خللا ما موجود في حركة التواصل بين الجمهور والمؤسسات, وهناك معاناة تضغط على البعض بسبب هذه المركزية وتحتاج الى حل وحل سريع وجذري.