اخبار التصالح المبدئي المتبادل بين الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة وقيادة (جبهة الانقاذ الاسلامي) بثت مشاعر فرحة طال الانتظار لها في نفس كل العرب والمسلمين ــ عدا فئتين: (الجماعة الاسلامية المسلحة) ومجموعة رموز عليا في المؤسسة العسكرية الجزائرية. وهاتان الفئتان لن تتخذا موقف المتفرج حتى تبلغ عملية التصالح منتهاها . لكن لننظر ما جرى اولا. فجأة, او هكذا بدا, بعثت قيادة (جبهة الانقاذ الاسلامي) ببيان الى الرئاسة الجزائرية تعلن فيه ان جناحها العسكري (جيش الانقاذ الاسلامي) قرر القاء السلاح و(وضع نفسه تحت تصرف الدولة) . وما ان تلقى الرئيس بوتفليقة البيان حتى اصدر على الفور امرين: اولا, توزيع البيان واذاعته. ثانياً: الايعاز الى الحكومة باعداد مشروع قانون للعفو عن كل (من ينبذ العنف) . هذه الفجائية والفورية لا يمكن في تقديري الا ان تكون نتيجة لحوار سري جرى في وقت ما في مكان ما. وبقدر ما يفرح المرء للنتيجة في كل الاحوال بقدر ما يحد من تفاؤله احتمالات تصاريف الزمان على يد (الجماعة الاسلامية المسلحة) ومن يتحالفون معها خفية من شخصيات عسكرية. لم يكن مثار دهشة اذن ان قيادة (الجماعة المسلحة الاسلامية) كانت سباقة الى اعلان الاعتراض على مبدأ التصالح بين السلطة والاسلاميين المنضوين تحت لواء (جبهة الانقاذ الاسلامي) (الجماعة الاسلامية المسلحة) تنظيم برز بعد منتصف التسعينات, ليس له اجندة سوى ممارسة الجريمة المنظمة بمعناها غير السياسي. وقد حرصت على حمل الاسم (الاسلامي) لان قيادتها تتكون من عناصر انشقت على (جبهة الانقاذ) لتتخذ عن اعمال النهب وسلب الممتلكات حرفة. ويقول بعض المراسلين الاعلاميين الغربيين المتخصصين في الشأن الجزائري ان عضوية قيادة التنظيم تضم أيضا عناصر من اجهزة الامن الجزائرية. ومنذ اواخر عام 1997 نقلت (الجماعة) مسلسل العنف الجزائري من الكم والكيف الى مستويات غير مسبوقة. فقد تصاعدت اعداد الضحايا في كل حادثة من آحاد الى عشرات واحيانا مئات. وتضاعفت الممارسات الوحشية من قبيل جز اعناق اطفال وبقر بطون نساء حوامل وذبح اسرة بأكملها. ويختلف المراسلون الغربيون فيما اذا كانت العناصر الامنية تشارك في العمليات ام كانت تكتفي بالتجاهل, وربما التشجيع او حتى التدبير. لكن توفرت ادلة على تواطؤ امني بشكل او بآخر من جانب رموز عليا في المؤسسة العسكرية بدافع مزدوج هو, اولا الاستفادة والاثراء غير المشروع من عمليات النهب واسعة النطاق, وثانيا, الصاق الممارسات الوحشية بجبهة (الانقاذ الاسلامي) بغرض تشويه صورتها السياسية. لقد خفت عمليات العنف والذبح الجماعي الوحشي وعمليات السلب والنهب بصورة ملحوظة منذ العام الماضي لكن بقي التوتر السياسي باستمرار غياب (جبهة الانقاذ الاسلامي) كأقوى تنظيم حزبي وفقا لنتائج الانتخابات العامة التي شاركت فيها اواخر عام 1991 ــ تلك الانتخابات التي اجهضت بتسلم الجيش السلطة. الان يريد الرئيس الجديد بوتفليقة خلق حالة من الوئام القومي العام بالسماح لجبهة (الانقاذ الاسلامي) بالعودة الى الحياة السياسية الداخلية. وهنا يبرز السؤال الكبير: ماذا يكون موقف (الجماعة الاسلامية المسلحة) ؟ اذا كان مفهوم المصالحة والوفاق يعني فيما يعني استتباب الامن ونهاية الفوضى وانتشار سيادة القانون فان هذا اخر ما يمكن ان تقبله (الجماعة) لانه ببساطة يتعارض رأسيا مع اجندتها وممارساتها الاجرامية. والخوف كل الخوف ان تكون هناك رموز من المؤسسة العسكرية لاتزال مرتبطة بذلك التنظيم الاجرامي.