في العصر الذي يتكون امامنا لم يعد هناك مجال للاكتفاء في ثقافة خامة وذاتية اقليمية وطنية محلية عربية أو اسلامية, فالثقافة التي تدعي الاكتفاء وتتوقف عن التعلم من الثقافات الاخرى سوف تجد انها تعجز عن التأقلم مع الطوفان العالمي في مجال المعرفة واساليب التفكير وطرق تنظيم الاقتصاد ومفاهيم الحياة السياسية والتعامل مع البيئة ومع حقوق الانسان, ان عدم التأقلم هذا سوف يهدد هذه الثقافات في بنيانها وامكانية استمرارها, ولكن بنفس الوقت ان عدم المحافظة على الثقافة الذاتية العربية والاسلامية والشعبية المحلية في كل قطر عربي يساهم في افتقاد البوصلة التي تعطي التوازن وتحمي من التطرف فالتطرف في احد ابعاده الرئيسية ينشأ عادة من سيطرة احد المكونات على الاخر, فان سيطر المكون العالمي على ثقافة محددة تم مسحها بالكامل وتمت ابادتها مما يساهم في ردود فعل عنيفة, وان سيطر المكون الذاتي الداخلي تم عزلها عن العالم وعن التطورات مما يؤدي لانهيارها ودخولها في متاهات النزاع الداخلي وفقدان الذات, لهذا فالتوازن هو المطلوب اذ بدونه لا حياة لثقافة ولا استمرار للغة أو لعادات أو لأسلوب حياة. لهذا يحتاج العالم العربي إلى كثير من المعرفة والانفتاح على المجتمعات العالمية والتي تحيط به ففي الماضي لم يكن العالم العربي يعي طبيعة حاجته للخارج لكن اليوم الخارج جزء من الداخل وقد فرض نفسه على واقعنا باكثر مما توقع اكثر الحالمين, ومع ذلك تنقصنا المعلومات والمعارف المكتنزة والجديدة عن هذا العالم المتعدد الالوان, بل ان معظمنا يحمل عن المجتمعات المحيطة بنا أو البعيدة عنا الكثير من سوء الفهم والتشويه, ولنتذكر ان الجيل الذي لا يجيد التعامل مع مجتمعات وشعوب يتعامل معها باستمرار وعلى مدار دورة الحياة, سوف يكون ضحية عجز صارخ في المقدرة على فهم العالم والمجتمعات كما والتعلم من قيمها وطرق التعامل معها. وقد حول بعضنا في العالم العربي البحث عن الجذور الاسلامية إلى تعصب اعمى لهذه الجذور وانغلاق على النفس يكاد يكون شاملا, ان الانغلاق في ظل عصر يقوم على فن التعامل مع الاخر ومخاطبته ومعرفة نقاط قوته وضعفه, وساهم في تراجعنا وهبوط مقدرتنا على ادارة مؤسساتنا بروحية ثابتة وضمن مستويات عالمية منافسة, لهذا فكما نسعى لفهم تاريخنا وحضارتنا علينا لزاما ان نفهم الحضارات الاخرى وعقليتها وتاريخها وروحيتها الادارية والاجتماعية, ان فهم المجتمعات الاخرى لن يكون ممكنا الا اذا نمينا في صفوف الجيل الصاعد (في المدرسة وفي البرامج الموجهة لهذا الجيل سواء اكانت مسموعة أم مرئية ام غيرها من الوسائط) حب المعرفة تجاه المجتمعات الاخرى وفلسفاتها ومعارفها وقيمها, وهذا يتطلب ان نحاول ان نفهم تلك المجتمعات وعقليتها وتاريخها كما تفهمها هي لا كما نفهمها ونتخليها نحن, فهل ندرس المجتمعات الاخرى ودياناتها وتقاليدها في مناهجنا دون ان نخشى من اثر ذلك على ارتباطنا بعاداتنا وبتقاليدنا الشعبية والرسمية المحكية والمكتوبة, ام اننا نخشى على الذات لدرجة تؤدي بنا إلى التقوقع؟ ان الثمن الذي ندفعه كبير من جراء فهم سطحي وخيالي ومشوه للعالم وذلك لانه يؤثر سلبا في مؤسساتنا وثقافتنا واجيالنا الصاعدة والقائدة بنفس الوقت. ان العالمية كطريقة في التعليم وكهدف نسعى لفك ألغازه وفهم ابعاده والتعامل مع مكوناته بعد مفقود في معظم المجتمعات العربية, ولكن هذه العالمية هي بعد حاضر دائم يزداد حضورا في العالم كله وهو يفرض نفسه علينا في كل يوم وفي كل ظرف, ولكن الفارق بين ان تفرض علينا هذه العالمية من خلال مطاعم سريعة أو برامج تلفزة وصحافة ومناهج تعكس جوانب مشوهة من المجتمعات الاخرى وبين ان نسعى من جانبنا لفهمها ودراستها وتفسيرها هو الفارق الذي يقيم الحد الواضح بين الفهم المشوه للعالم وبين الفهم الموضوعي له, فمن الصعب ان ينجح جيل في فهم العالم المحيط به دون ان يتخلص من الكثير من مفاهيمه الخاطئة عن هذا العالم, ان الانغلاق على الذات في عالم منفتح هو مقتل, ولكن جعل العالم يسيطر على هذه الذات دون ان نسعى من جانبنا لاستباق ذلك في محاولة للفهم والمعرفة والتعلم والانتقاء والتفسير هو الاخر يساهم في ازمة ضياع لا نهاية لها. - استاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت