عندما بدأت في كتابة هذا المقال ذكرت امثلة على التوجه الظاهر في المجتمع من قبل بعض الاسر والمؤسسات نحو الانسلاخ من هوية ذلك المجتمع وأصالته الى مرحلة الفراغ أو اللا انتماء , وبينت خطورة ذلك الامر وعرضت بعد ذلك الى سبل الحفاظ على لغة هذا المجتمع الا وهي العربية, وجاءني سؤال من بعض القراء مفاده, وهل اللغة هي ما يمثل هوية المجتمع في تصورك؟ بلغة اخرى هل مجرد الحفاظ على اللغة العربية يعني الحفاظ على العرب؟ والجواب ولا شك بالنفي فاللغة هي وسيلة للخطاب وطريقة للتفكير ولاشك ان لها ابعادا كثيرة في تحديد هوية وذاتية المجتمع, ولكن مجتمعنا أكثر بكثير من ان يحدد باللغة, فالعربية اخلاق وسلوك فعنترة الجاهلي يقول مثلا: وأغض طرفي ان بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مثواها فهو يرى ان عرض الجارة مثلا من اشد المحرمات على الانسان ولو بالنظر, لاشك ان هذا خلق نبيل من فارس معروف. فأين هي اخلاق ذلك العربي من بعض شبابنا اليوم الذي همه اتباع النظرة بالأخرى؟ والكرم سمة من صفات العرب فقصص الطائي ضرب بها المثل, وهناك الشجاعة التي تربى عليها العربي حتى كانت كلمة جبان من اكبر المعايب عندهم, هذه المعاني وغيرها جاء الاسلام ليتممها ويؤكدها بتغير القصد منها ليجزى المسلم خيري الدنيا والآخرة, ونريدها ان تعزز في مجتمع اليوم عبر وسائط التنشئة الاجتماعية المختلفة, دعونا نناقش هذا الامر بلغة اكثر صراحة:ــ 1ــ الأسرة العربية: عندما نتحدث عن الاسرة العربية وهي اللبنة الاولى وفي ظل الحراك الاجتماعي للمجتمع, هل تقوم الاسرة بدورها في الحفاظ على هوية هذه البنية بشقيها المادي والمعنوي والزميلة عائشة سلطان في مقالها اليومي كثيرا ما تتحدث عن الواقع, وقد اعجبني تشبيه لها للمتحف الذي نحفظ فيه تراثنا, فكون الامر وصل الى المتحف لا يعني انه لابد من التخلص منه, وانما وجدت المتاحف لدعوة الناس للحفاظ على هويتهم فكم يتأسف الفرد منا عندما يرى ان بعض اخلاق المجتمع اصبحت في متحف يزار. وذلك رمز للماضي الغابر هل ما زالت الاسر اليوم تغرس في جيل المستقبل جوانب مضيئة من دعائم الاسرة العربية المسلمة, من ذلك, التراحم, والتواصل بين الارحام, أم اننا اصبحنا اسرا صغيرة اجتثت من فوق الأرض! في احدى زياراتي المتكررة للولايات المتحدة جلست بجانبي امرأة في الستينات من عمرها, بدت لي حزينة ــ خلاف من كان في الطائرة ــ فأردت ان أخرجها من حزنها بالسؤال التقليدي وهو: (كيف كانت الرحلة الى لوس انجلوس!) وهل هي رحلة عمل أو فسحة؟ فهزت رأسها على انها زيارة عائلية, فوجدتها فرصة وقلت لها: (حدثيني عن الاسرة الامريكية الصغيرة!) قالت متألمة: (لقد رتبت كثيرا لهذه الزيارة فأنا من بوسطن وجئت لزيارة احد ابنائي في لوس انجلوس بعد فراق طال سنوات كنا نتواصل عبر البريد في المناسبات كعيد الأم مثلا) فقلت لها: (لاشك اذا انك سعدت بلقاء الابن والاحفاد؟) فضحكت وقالت: لم (اجده حيث ترك لي رسالة اعتذار بسبب ارتباطات في العمل فجلست يوما كاملا, ثم هاهنا اعود الى بلدي بوسطن والتي تبعد 5 ساعات بالطائرة عن لوس انجلوس) بعد ذلك سألتني قائلة: (كيف انتم في الاسرة العربية؟) فقلت لها: (يبدو اننا مازلنا في حالة بعيدة عن حالتك على الاقل من تجربتي الشخصية, فانا مازلت اعيش في نفس المنزل مع اسرتي الممتدة والتي تحتضن اربعة اجيال) , فعلقت قائلة: (هذه هي الانسانية لاتفرطوا فيها) , فأين موقع الارحام في جدولنا المزدحم, ومن امور التربية في الأسر وكذلك موقع الذكر والانثى, وارجو ان لاتفهم تلك الدعوة على انني افضل الذكور على الاناث, هل اعددنا في برنامج الاسرة ما يجعل الفتاة اما صالحة للمستقبل, والذكر ليكون ابا رائدا, ام ان التربية اصبحت تبث على قناة واحدة لا نعرف في نهايتها موقع الذكر والانثى فالتربية الموجهه لكلا الجنسين بما يتناسب مع مستقبله هي اداة للحفاظ على الهوية فلا يوجد اسوأ من الاستغلال والعبودية التي تعرضت لها المرأة تحت شعار الحرية! حيث اكلت لحما طريا وهي شابة يانعة وتركت في حرب الصراعات النفسية القاتلة, بعد ذلك في غداء عمل باحدى الجامعات الفرنسية سألني احد الاساتذة الجامعيين عن التعليم في دولة الامارات, فذكرت له اشياء كثيرة ضحك عندما علم بوجود الفصل بين الذكور والاناث وقال: (اين انتم من حركة تحرير المرأة) فردت عليه احدى الفرنسيات وكان ردها مفاجأة لنا جميعا بقولها: (عندما شاركت المرأة الرجل في كل شيء تبين لنا انها هي المظلومة! نعم فجمال الحياة ان يقوم كل جنس بالدور المطلوب منه ولا ارى ميدانا للصراع بين الجنسين, واجد ان من اهم الاخلاق التي ينبغي ان تغرس في الجيل تحت هذه المظلة خلق الحياء, ذلك الامر الذي ان فقد تأججت نار الشهوة واللذة, إني المس وجود حرب جديدة على الامة العربية هدفها اخراج الفتاة عن اصالتها لعلمهم أن بنت اليوم هي ام المستقبل, واريد ان اترك ميدانا للقارىء الكريم ليسطر جوانب الاهتمام الذي ينبغي ان يوجد في الاسرة العربية للحفاظ على الهوية. 2ــ المدرسة: تعد المدارس احدى قنوات التنشئة الاجتماعية الموجهة لاعداد جيل المستقبل وكثيرا ما نخوض في هذا الميدان عندما نتحدث عن التربية, وفي تصوري ان بعض المواد التعليمية تتحمل تبعة اكبر من غيرها عند التنشئة الاجتماعية, فمادتي التربية الاسلامية واللغة العربية بحاجة ماسة الى ايجاد وسائل لجعلهما المادتين الاولى بالرعاية في مناهج التربية والتعليم, لانهما تحملان معاني الاصالة والجودة لهذا المجتمع فمن فقد المعاني الاساسية لهاتين المادتين يكون قد قطع جذوره عن هذا المجتمع, فمن يعيد النظر في التعليم ليكون موجها لهذا الامر وهناك مواد اخرى لم نستثمرها بصورة جيدة كمادة التربية الاسرية, والتي تطرقت الى قضايا كثيرة تخالف مبادىء هذا المجتمع ومن ذلك مثلا: أ ــ ورد في صفحة 25 من كتاب الصف الثالث الاعدادي عن تحذير المرأة الحامل من الامور التي تضر بصحة الجنين ونقتبس من الكتاب هذا النص الذي كتب تحت صورة تحوي زجاجة وكأس خمر وسيجارة وعلامة (X) (التدخين والمشروبات الروحية من الامور التي تضر ضررا بليغا بصحة طفلك) , ونلاحظ على هذه العبارة مايلي: * سميت الخمر وهي ام الخبائث بالمشروبات الروحية, اين البعد الشرعي في ذلك؟ * انتهت العبارة بجملة (تضر ضررا بليغا بصحة طفلك) , وبمفهوم المخالفة فاننا نقول للمتعلمة ان هذه الامور قد لا تضرك اذا لم تكوني حاملا؟ كم هي نسبة من يشرب الخمرة او يدخن السيجارة من النساء في دولة الامارات العربية المتحدة لكي نطرح هذا الموضوع بهذه اللغة في الصف الأول الاعدادي (الصف السابع) اين مع عمر 13 سنة. ب. وجود بعض المصطلحات الغريبة جدا, فعنوان مثل (باترونات مجلة البوردا) لماذا نستخدم هذه العبارة او هذه المجلة؟ هذا ما ورد في صفحة 90 من كتاب الأول ثانوي. ومن ذلك استخدام كلمة السوستة (أي السحاب) وكلمة (السرفليه) التنظيفات الداخلية بالغرزة المائلة ـ انظر صفحة 109 من كتاب الثاني الاعدادي, وكلمة (سفرجي) في صفحة 58 من كتاب الأول الثانوي وأهمية دوره في تقديم الطعام. ج. عند ترتيب الفضية على المائدة توضع الشوكة على الجانب الايسر من الصحن ثم علق الكتاب على ذلك بقوله (تمسك السكين باليد اليمنى والشوكة باليد اليسرى ويقطع الطعام قطعا مناسبة. ثم تغرز الشوكة في القطعة وتؤخذ الى الفم بنفس اليد اليسرى أولا بأول, او تنقل الشوكة الى اليد اليمنى.. صفحة 62 من كتاب التربية الاسرية للصف الاول ثانوي. وهذه مخالفة واضحة لما درسه تلميذ دولة الامارات في مادة التربية الاسلامية بالنهي عن الأكل باليسار. واخيرا جاءتنا وزارة التربية والتعليم بقرارها الحكيم لايجاد مادة (مهارات الحياة) والتي اتمنى ان تساهم اذا عدت بالطريقة المناسبة في اعانة شباب اليوم للسير بنجاح في المستقبل بالتدريب على قضايا كثيرة أهمها مهارات التفكير. 3 ـ مؤسسات المجتمع: في مجتمعنا هناك مؤسسات شبابية اخرى تحافظ على هوية هذا المجتمع انها فكرة رائدة عندما تبنت الدولة مشروع الحفاظ على التراث بانشاء مؤسسات مسؤولة عنه, وفي تصوري ان الدور الاساسي لهذه المؤسسات يكمن في ايجاد منهاج يدرس في مدارسنا يحمل هذه الابعاد التي تمثل هوية المجتمع, فجمعية مجتمعية مثل (الجمعية الجغرافية الوطنية) في الولايات المتحدة اصبحت بحكم الواقع لها تأثير على منهاج الجغرافيا في المدارس الامريكية اضافة الى قناة تلفازية تبث باسمها. فمتى تفكر جمعياتنا الوطنية بلغة العصر, ان الجهد الذي تقوم به هذه الجمعيات لا شك انه مشكور ومقدر ولكنه لفئة محدودة من جيل المستقبل نحن بحاجة الى دور اكبر من هذه الجمعيات نحو الوصول الى قاعدة أكبر من ابناء الوطن. وعند الحديث على المؤسسات المجتمعية لا استطيع ان اتجاوز ذلك دونما حديث عن الاعلام المقروء والمسموع والمشاهد, كلنا يتعامل مع هذه الاجهزة فكم منها يحمل هوية هذه الدولة وقيمها ومبادئها سؤال لن أجيب عنه. كان ما سبق وقفات مع مجتمعنا الاصيل بقيمة هدف هذه اللمسات محافظة هذه المجتمع على اصالته انها ليست دعوة عنصرية نرى فيها انفسنا اعلى من الاخرين لكنها رغبة صادقة لكي نحافظ على امور البشرية في اشد الحاجة لها, وهي ليست دعوة للانعزال أو التخلف فخير وسيلة للدفاع الهجوم فنحن امة شجاعة لا تبخل بما عندها عن الاخرين بل لابد من الانفتاح على العالم لكن مع الاخذ بالاساليب التي تجعلنا نشارك في صناعة العالم ولا نكون سلبيين في تلك العلاقة لما فهل يأتي الزمن الذي يبحث فيه علماء الانتروبولوجيا على اصل وهوية ولغة من كان يعيش على هذه الارض أم اننا على قدر التحدي, واحسب أننا كذلك؟ وكيل كلية التربية Email: K. Suwaidi@uaeu.ac.ae